قال إبليس بعد ذلك: إن كان الكنز الطاهر قد بدا لي واضحا، فأي خوف يعتريني بعد ذلك؟ اللعنة صادرة عنك وكذا الرحمة، والعبد عبدك ومنك الحظ والقسمة! فإن كانت اللعنة من نصيبي، فلا خوف يعتريني، وما دام الترياق موجودا، فلابد من وجود السم. فما أن رأيت الخلق يطلبون رحمتك، حتى آثرت أن أحظى أنا عديم الخلق
بلعنتك، أو ليس للعنتك عبيد مثلما لرحمتك؟ إنني عبد لعنتك الذي لا يتخلى عنها مطلقا.
إن كنت طالبا، فهكذا يكون الطلب، ولكنك لست طالبا وإنما يغلب عليك الادعاء فإن لم تدركه ليلا أو نهارا، فليس معدوما هو، وإنما هناك نقص في الطلب.
عندما حانت وفاة أبي بكر الشبلي الذي لم يقر له قرار، أغلق عينيه وظل قلبه في انتظار، وكان قد عقد حول وسطه زنار الحيرة، كما كان قد جلس على كومة الرماد، فكان يذرف الدمع على الرماد أحيانا، وينثر الرماد على رأسه أحيانا، فسأله سائل: في أي وقت رأيت شخصا قد عقد الزنار، مثلما فعلت؟
قال: إنني أحترق، فماذا أفعل؟ وكيف أتصرف؟ وإذا كنت أذوب من الغيرة، فكيف أتصرف؟ إن روحي قد انصرفت عن كلا العالمين لتحترق غيرة من إبليس في هذا الزمان، فكلما حظي باللعنات، كلما أصابني ذلك بالحسرات، لقد ظل الشبلي كسير القلب، محترق الكبد، أما ذلك الآخر (إبليس) فإنه يحظى بالجديد في كل وقت
إن كان هناك تفاوت لديك بين ما يأتيك من الله، سواء أكان حجرا أو جوهرا، فلست رجل طريق، وسواء أكنت بالجواهر عزيزيا، أو بالأحجار ذليلا، فليس لله بك أي اهتمام، فلا تعاد الأحجار أو الجواهر، كما لا تصادقها، وانظر على أنها من صنع يده. فإن يقذفك
المعشوق النشوان بحجر، فهذا أفضل من أن تنال جوهرة من غيره، وعلى الرجل أن يكون في مجال الطلب والانتظار، ناثرا روحه في الطريق في كل زمان، وألا يسكن لحظة عن الطلب، وألا يستريح لحظة، وإذا وهن عزمه عن الطلب زمنا، فهو في هذا الطريق يكون مرتدا، عديم الأدب.