وبعد ذلك يأتي وادي الفقر والفناء، ومتى جاز الكلام هنا؟ فعين هذا الوادي هي النسيان والبكم والصم وذهاب العقل والوجدان، وسترى مئات الظلال الخالدة تتلاشى أمام شعاع واحد من شمسك الوضاءة، وإذا هاج وماج البحر الكلي، فهل تبقى نقوش على صفحة ذلك البحر؟
وكلا العالمين مجرد نقش على سطح هذا البحر، فكل من يقول لا، كلامه هراء، وكفى. وكل من أصيب بالفناء في بحر الكل، فقد فني تماما وأصابه البلى، والقلب في هذا البحر المليء بالفناء، لا يجد شيئا سوى الفناء، فإذا منح الفناء ثانية، أحاط علما بالخلق، وتكشفت له أسرار كثيرة.
حينما يمضي السالكون المجربون، وعظام الرجال إلى ميدان الألم، يفنون في أول خطوة، وأي تقدم بعد ذلك؟ لا جرم ألا يكون للإنسان خطوة ثانية بعد ذلك. وإن أصابهم الفناء من أول خطوة، فاعتبرهم من الجماد، ولو كانوا من الخلق! فعندما تلقى الأعواد والحطب إلى النار، تتحول كلها معا إلى رماد، ويظهر لك الاثنان صورة الواحد، مع ما يبدو لك من فروق في صفاتها.
وإن يفن نجس في بحر الكل، يسقط إلى القاع ذليلا بصفاته، ولكن إن ينزل إلى هذا البحر رجل طاهر، فسيفنى فناء حقيقيا، ولن يبقى له أثر، حيث تصبح حركته هي حركة البحر. وعندما يفنى، يكون غارقا في مجال الحسن والطهر، وإن يحدث هذا، يكن فانيا وهو موجود، وهذا يخرج عن نطاق الخيال والعقل.