فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 454

بعد ذلك يأتي وادي الاستغناء، وهو خال من كل دعوى ومعنى، وفيه تسرع الريح العاتية مما بها من قوة، حيث تشمل كل إقليم في لحظة.

والبحار السبعة ما هي إلا بركة ماء هنا، والكواكب السبعة ما هي إلا ومضة ضوء هنا، وتكون فيه الجنات السبع في موت مطبق، كما تصبح النيران السبعة فيه كالثلج المتجمد، وفيه تصبح للنملة ويا للعجب، قوة مائة فيل بلا أدنى سبب، ولكي يصبح الغراب ممتلىء الحوصلة، فلن يبقى أحد قط على قيد الحياة من مائة قافلة، ولقد احترق مئات الألوف من الملائكة حتى أضاء مصباح لآدم. وخلت آلاف الأجسام من الروح، حتى أصبح نوح نجارا في تلك الحضرة. وهجم العديد من البعوض على الجيش، حتى سما إبراهيم فوق الجميع. وسفك دم العديد من الأطفال، حتى أصبح كليم الله صاحب رؤية. وعقد مئات الألوف من البشر الزنار، حتى أصبح عيسى محرم الأسرار. واضطرت مئات الألوف من الأرواح والقلوب، حتى أدرك محمد ذات ليلة المعراج.

الجديد والقديم هنا لا قيمة لهما، فلا ترغب في شيء هنا مطلقا، وإن كنت قد رأيت الدنيا مكتوبة القلب، فما رأيته ليس إلا حلما، وإذا سقطت آلاف الأرواح في هذا البحر، فكأنها قطرة ندى سقطت في هذا البحر اللانهائي، وإذا استسلم مئات الألوف إلى النوم، فإنهم يصبحون بفعل الشمس كذرة مع الظل، وإذا تساقطت الأفلاك والأنجم قطعة قطعة، فكأنما سقطت ورقة شجر واحدة في هذه الدنيا، وإذا أصبحت الدنيا من البحر إلى القمر عدما في عدم، فكأنما عرجت نملة في قاع بئر، وإذا خرب العالمان دفعة واحدة، فهب أن حبة رمل قد انعدمت من

الأرض. وإذا لم يبق أدنى أثر للناس والشيطان، فكأنما سقطت قطرة مطر واحدة، وإذا سار الكل إلى التراب، فأي بأس إن اختفت شعرة كائن حي واحدة، وإذا ضاع الجزء والكل هنا، فقد نقصت ورقة تبن واحدة من على وجه الأرض، وإذا نقصت هذه الأفلاك التسعة مرة واحدة، فما نقصت غير قطرة ماء من البحار السبعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت