نهضت ثالثة وأسرعت ثملة نشوانة، وعلى وهج النار استقرت ولهانة، فاحترقت كلها في النار، وأفنت نفسها كلية، وهي في غاية السرور، وما أن احتوتها النار، حتى احمرت أعضاؤها وتلونت بلون النار، فما أن رآها ناقدهم من بعيد، ورأى ما فعلته الشمعة بها، وما
تبدل إليه لونها، حتى قال: لقد أصابت هذه، وكفى، والشخص الذي يعرف هو من لديه الخبر، وكفى! ومن أصبح بلا أثر وبلا خبر، هو الذي يعرف الخبر من بين الجمع.
وطالما كنت جاهلا بالجسم والروح، فكيف تدرك أي خبر عن الأحبة في أي وقت؟ وكل من أشار إليك إشارة طفيفة، قد سبب لروحك مئات الآلام، وليست هذه المنزلة كمحرم للنفس، وهذا المكان لا يتسع لأحد من الناس.
كان أحد الصوفية يمضي في طريقه، فإذا بجاهل يصفعه صفعة قاسية على قفاه، فالتفت خلفه، وقال وهو محزون القلب، إن من ضربت على قفاه، قد مات منذ. قرابة ثلاثين عاما، ومضى، فقد سلك عالم الوجود إلى نهايته، ومضى.
فقال له الرجل: يا من ينطق بالدعوى دون فعل، متى كان الميت يتكلم؟ فليصبك الله بالخجل.
ما دمت تنطق، فلست رفيقا، وما دام لك وجود، فلست محرما للأسرار وإن توجد شعرة واحدة فيما بينكما، تكن كمائة عالم من المسافات فيما بينكما، وإن تبغ الوصول إلى هذا المنزل، فكم تتألم لو بقي من وجودك شعرة ففي كل ما تملك أشعل النار، حتى رباط القدم أشعل فيه النار، وعندما لا يبقى أي شيء، تفكر في الكفن، وألق نفسك عاريا وسط النار، وعندما تصبح رمادا، وكذا متاعك، فسيصيب النقصان تفكيرك، فلو كنت كعيسى، وبقيت عنك ولو إبرة واحدة،
فاعلم أنه ما زال في طريقك مائة لص. ولكن لو كنت كعيسى وقد تخلى عن متاعه، لخاطت إبرته عدة غرز على القبة.