قالت العباسة لأحد الرجال: ليس العشق إلا ذرة تقع على من يشرق عليه ألم العشق، فإن كان رجلا تنجب المزأة منه، وإذا كان امرأة، فحسبها أنها تنجب الرجل، لقد علمت أن المرأة من نسل آدم، وألم تعلم أن الرجل من نسل مريم؟ وإذا لم يظهر ما يجب أن يكون تاما، فإن الأمر لا يمكن أن يتضح لك تماما، وعندما يتضح الملك، ويتم تحصيله لك، فسيتم كل ما يصبح حاصلا في قلبك، واعلم أن هذا هو
الملك، وتلك هي السعادة، واعتبر أن ذرة من هذا العالم، ما هي إلا قبس من الدين، وإن تقنع بملك هذه الدنيا، فستظل ضائعا إلى الأبد، أما السلطنة الدائمة ففي المعرفة، فاجتهد حتى تحصل على هذه الصفة، وكل من يكون ثملا بعالم العرفان، يكون بالنسبة لخلق الدنيا جميعا بمثابة السلطان، ويصبح ملك العالم ملكا له، وتصبح الأفلاك التسعة فلكا في بحره، وإن يدرك ملوك الأرض طعم جرعة واحدة من ذلك البحر اللانهائي، فإنهم يجلسون جميعا في مأتم، لما اعتراهم من ألم، وما رأى بعضهم وجوه بعض من شدة هذا الألم.
مضى محمود صوب خرابة، فرأى هناك مجنونا ولها، وقد طأطأ الرأس مما به من غم، وقصم ظهره من كثرة ما اعتراه من هم. وما أن رأى السلطان حتى قال: ابتعد، وإلا ألحقت بك أدى كثيرا، فابتعد! أنت لست سلطانا، لأنك عديم الهمة، كما أنك كافر بما منحك الله من نعمة.
قال له محمود: لا تتهمني بالكفر، وقل لي لفظا واحدا ولا تكثر.
فقال: لعلك تعلم أيها الجاهل، عن من ابتعدت، يا عديم النظر، فأنت لست إلا ترابا ورمادا بالتمام، وستصب النار على رأسك على الدوام.