قيل إنه عندما أشعلت النار في الحلاج، واحترق عن آخره، أقبل عاشق يحمل عصا في اليد، وجلس على كومة الرماد، ثم أخذ يتحدث
وقد اضطرب كالنار، حتى جعل الرماد يموج ويثور، فكان يقول في تلك الآونة: قولوا الحق، أين من نطق بقولة (أنا الحق) ؟
كل ما قلته وكل ما سمعته، وكذا كل ما عرفته وكل ما رأيته، لا يعدو أن يكون كله خرافة، فامحه كله إذا لم يكن مكانه هذه الخرابة.
يجب أن يكون الأصل هو الاستغناء والتطهر، ولا خوف إن وجد الفرع أو انعدم، فوجود الشمس حقيقة قائمة على الدوام، حيث لا بقاء للذرة أو الظل، والسلام.
عندما مضى أكثر من مائة ألف قرن، كانت قرونا بلا بداية، ولا نهاية، ولا زمن، وبعدها أسلمت الطير أنفسها إلى الفناء الكلي بكل سرور. وما أن غاب الكل عن رشدهم، حتى ثابوا ثانية إلى رشدهم، فقد وصلوا إلى البقاء بعد الفناء، وليس لأحد قط من المحدثين أو القدماء، أن يتحدث عن ذلك الفناء وذلك البقاء. وهذا الأمر بعيد بالنسبة لك عن مجال النظر، لأن شرحه بعيد عن الوصف والخبر، ولكن في طريق مثل طريق أصحابنا هل يمكن شرح البقاء بعد الفناء؟ وأين يمكن إتمام ذلك؟ إن هذا يلزمه كتاب جديد، ولكن من ذا الذي يدرك أسرار البقاء؟ ومن ذا يكون جديرا بها؟
وأنت ما دمت موجودا في حيز الوجود والعدم، فكيف تستطيع التقدم خطوة في هذا المحتدم؟ وإذا عدم هذا وذاك البقاء في طريقك، فكيف يطيب النوم أيها الأبله لك؟ أنظر ماذا تكون البداية والنهاية، وإن تعرف النهاية، فأي جدوى من تلك النهاية؟ فالبداية كانت نطفة تربت وسط عز ورعاية، حتى أصبحت هذا العاقل وذلك الموفق، ثم منحه
الوقوف على أسراره وأيده بالتعرف على أموره، والنهاية أن يصبيه الموت وينمحي كل شيء، فينحدر من أوج العزة إلى هاوية الذلة، بعد ذلك يتحول إلى تراب بالطريق، وهكذا فنى إلى ذرات، ووسط هذا الفناء قيلت له مئات الأسرار، قيلت له ولكنها قيلت بدونه، بعد ذلك منح البقاء كله، كما نال العزة بدلا من الذلة