بعد ذلك توالت الطير واحدا واحدا، تقدم أعذارا واهية، قال كل طائر عذرا يقطر جهلا، وما قال أحد عذرا لائقا، بل قال الكل هراء وهزلا، ولن أسرد عليك أعذارهم عذرا عذرا، لأن الحديث يطول فالتمس لي عذرا، ومن كان عذره واهيا، أنّى له الوصول إلى السيمرغ؟
أما من يفضل السيمرغ على روحه، فإنه يخاطر بالروح كالرجال من أجله، ومن لا يملك في عشه ثلاثين حبة، جاز له ألا يكون للسيمرغ رفيقا، لأنه لو عدمت حوصلتك الحبة، فكيف تداوم الصوم مع السيمرغ أربعين يوما؟ وإن كنت قد ثملت من قطرة خمر واحدة، فكيف تستطيع منادمة الأبطال في معاقرة الصهباء؟ وإن كنت عاجزا عن تحمل ذرة، فكيف تستطيع أن تدرك وصال الشمس؟ وإن كنت تغرق في قطرة، فكيف تجتاز البحر من البداية إلى النهاية؟ إن ما تبحث عنه ليس هذا الشيء، وفعل كل قبيح، ليس هذا الشيء.
ما أن سمع جميع الطير هذه الحال، حتى وجهوا جميعا للهدهد هذا السؤال: يا من لك السبق في سلوك الطريق، ويا من بلغ أوج العظمة والتوفيق، نحن حفنة من الضعاف والعجزة، قد عدمنا الريش والجناح والجسد والمقدرة، أنّى لنا أن نصل إلى السيمرغ ذي القدر الرفيع؟ لو جاز أن وصل واحد منا لكان هذا هو الأمر البديع. فأخبرنا ثانية أي صلة تربطنا به، إذ لا يمكن التخبط بحثا عن الأسرار، فإن كانت هناك
صلة بيننا وبينه، تولدت الرغبة لدى كل منا للمسير صوبه، إنه سليمان ونحن مجرد نمل مسكين، فتمعن، من أين هو، ومن أين نحن. إذا كانت النملة أسيرة في قاع البئر، فكيف تصل إلى محيط السيمرغ المرتفع؟