قال: ما دامت الروح باقية، فلست مفلسا، وإن كنت مدعيا، فلست رجلا جديرا بهذا المجلس، ولكن إذا نثرت روحي في العشق، فإن نثر الروح علامة المفلس. أما أنت يا محمود، ما معنى العشق
لديك، عليك بنثر روحك، وإلا فلا تدع العشق.
قال هذا وفاضت روحه من الدنيا، وأسلم روحه للأحبة، وما أن أسلم ذلك المعدم روحه على تراب الطريق، حتى اسودت دنيا محمود من الغم.
إذا كان قد خاطر بروحه على مقربة منك، فتقدم أنت لترى هل توفق. وإذا قيل لك تقدم ساعة، فتقدم طالما تسمع أصواتا نابعة من الطريق، وهكذا تظل لا أول لك ولا آخر على الدوام، حيث تقامر به كله على الدوام، فإن تندرج فيه وتتم لك المعرفة، فسرعان ما يضطرب العقل والروح ويصبحان في ارتفاع وانخفاض.
رحل أحد الأعراب إلى بلاد العجم، فتملكه العجب من تقاليد العجم، وتجول هذا الجاهل لمشاهدة الخلق، فوقع بصره على بيت القلندرية [1] ، فرأى جماعة السكارى لا أول لهم ولا آخر، وقد تخلوا عن كلا العالمين بلا كلمة واحدة، كما أهمل كل منهم ماله وتخلى عن كل ما يخصه، وكم كان كل منهم يفوق الآخر في التكاسل والتراخي، وقد أمسك كل منهم بكأس خمره، وتجرع الجميع ما بها من خمر، فحل بهم السكر. وعندما رأى هؤلاء القوم، مال إليهم، وانحاز عقله وروحه إلى
(1) القلندرية: المراد من القلندرية التجريد من الكونين والتفريد من الدارين، والفرق بين القلندري والملامتى والصوفي هو أن القلندري يعتبر الكمال في التفريد والتجريد، ويجتهد في تخريب العادات، والملامتي يجتهد في كتم العبادات. أما الصوفي فقلبه أصلا غير مشغول بالخلق.(فرهنك مصطلحات عرفا، نقلا عن تعليقات الدكتور جواد مشكور.
انظر منطق الطير نسخة طهران 1341ش ص: 334).