السيد الأول هو صاحب الرسول، «وثاني اثنين إذ هما في الغار» [1] ، إنه صدر الدين والصديق الأكبر وقطب الحق، وله في كل شيء على الجميع السبق، وكل ما ألقى به الحق من الحضرة العلية في صدر المصطفى، ألقى به أيضا في صدر الصديق، فلا جرم أن ألقى الله في قلبه التصديق، وحينما خلق الله الدنيا والآخرة بلفظة واحدة، التزم أبو بكر الصمت وأحكم إغلاق فمه، وكان يقضي ليله حتى الصباح في سجود دائم، كما كان يتنهد آناء الليل مما به من حرقة، وسرت أنفاسه معطرة حتى بلاد الصين، فعطرت دماء غزال التتار، لذا قال الرسول شمع الشرع والدين «اطلبوا العلم ولو بالصين» [2] .
ومكانته نابعة من حكمته، وما كان لسانه ينطق إلا بكلمة «هو» ، فحكمته لم ترد على أي لسان، وغير اسم الله لم ينطق لسانه.
لابد للإنسان من اعتبار حتى يكون ذا وقار، إذ كيف تتأتى جلائل الأعمال من عديم الوقار. فما أن رأى عمر مقدار شعرة من قدره، حتى قال: ليتني كنت تلك الشعرة على صدره، فإن قبلت أنت ثاني الاثنين، فإنه ثاني الاثنين بعد الرسول.
(1) إشارة إلى قوله تعالى: «إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار» سورة التوبة، آية: 40.
(2) إشارة إلى قول الرسول الكريم: «اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم» الجامع الصغير ج 1ص 143، 144.