فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 454

كان يوسف الهمداني يأمل في المسير، وكان له صدر طاهر وقلب كبير، وقد قال: لتسم دائما فوق العرش، ثم اهبط بعد ذلك تحت الفرش. فكل ما كان وما يكون وما سيكون سواء أكان حسنا أو سيئا، فليس إلا ذرة تافهة، وهذا كله مجرد قطرة من بحر الوجود، فلا جدوى من وجوده أو عدمه، وليس هذا الوادي هكذا بسيطا سهلا يا سليم العقل، بل أنت الذي تعتبره سهلا بجهلك، يا سليم العقل، حتى ولو أصبح البحر غاصا بدماء قلبك، فلن تستطيع قطع سوى منزلة واحدة منه فقط، وإن تتخل عن الدنيا في كل لحظة، فستكون لك الخطوة الأولى إن تمعن النظر، وما رأى شخص قط نهاية لهذه الطريق، وما رأى شخص قط دواء لهذا الداء. فإن تتجمد كالحجر في الحياة. فأنت جيفة أو ميت، وإن تسرع وتظل في عدو دائم، فلن تسمع صوتا يدعوك للدخول مطلقا، وليس الإسراع مقبولا منك، ولا التوقف كذلك، وليس الموت أفضل لك، ولا الولادة كذلك.

صعب ذلك الأمر الذي حل بك، فما الفائدة؟ إن أمرك صعب مشكل، فما جدوى توقفك؟ وسواء أكنت جامحا أو مطيعا، أيها الخامل وسواء تخليت عن العمل أو اجتهدت فيه، وسواء قلت بترك العمل أو بالسعي فيه، وسواء أكان عملك قليلا أو كثيرا فلعلك تزاول العمل طالما العمل موجود، حيث يلازمك العمل على الدوام، وإن لا يتقدم أي شخص لمعالجة الأمر، فما أطول ما أنت فيه من بطالة. واترك الأعمال التي كنت تعملها سلفا، فسواء فعلتها أو امتنعت عنها. وكيف تدرك العمل، وهو أمر لا يمكن إدراكه، حتى ولو أدركته فمتى تستطيع مزاولة العمل؟

تبين حقيقة عدم الاحتياج، وأمعن النظر إلى الاستغناء، سواء

كنت فرحا أو نائحا. وما أن أضاء برق الاستغناء هكذا، حتى أحرق لهيبه مائة دنيا في لحظة واحدة، وستنهار المائة دنيا، وتخلد إلى التراب، وأي خوف لو تلاشت الدنيا في هذا الوادي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت