كان أحد الملوك عائدا إلى مدينته، فازدان الخلق بأبهى زينة، فقد استعد كل فرد بما يزدان به منذ أمد، أما المساجين، فلم يكن في حوزتهم غير السلاسل والفيود. كما كانت لديهم بضعة رؤوس مقطوعة، وأكباد ممزقة، ثم تخلوا عن الأيدي والأرجل، وتزينوا بهذا كله.
وعندما عاد الملك إلى المدينة، وجدها كعروس مجلوة وفي أبهى زينة، وما أن وصل إلى موقع السجن، فسرعان ما ترجل عن الحصان، وسمح للمساجين بالمثول، وأنعم عليهم من الذهب والفضة بالشيء الكثير.
كان للملك جليس طلعة، فقال: أيها السلطان، لتقل لي هذا السر، لقد رأيتم مئات الألوف من الزينات أو يزيد، كما رأيتم المدينة مكسوة بالديباج والحرير، وكانوا يلقون الجواهر والذهب على الأرض، وينثرون المسك والعنبر في الهواء، رأيتم كل هذا وتحرزتم، ولم تعيروا أيا منها اهتمامكم، ولكن لماذا طاب لكم التوقف بباب السجن؟ ألرؤية الرؤوس المقطوعة؟ ولم كان تصرفكم هذا؟ فلا شيء هنا يفرح القلب، ولا وجود إلا للرؤوس المقطوعة وكذلك الأيدي والأرجل. إنهم جميعا سفاكو دماء، وقد قطعت أيديهم، فلماذا وجب التوقف في محيطهم؟
قال الملك: إن زينة الآخرين، ما هي إلا لعبة اللاعبين، وإذا كان كل شخص قد عبر عن نفسه بأسلوبه، فهم قد عرضوا ما لديهم، ولقد أخطأ جميع الخلق عدا أهل السجن حيث أوفوني حقي، وإن لم يكن أمري نافذا هنا، فأين إذن تفصل الرأس عن الجسد، والجسد عن الرأس؟. وقد وجدت أمري هنا نافذا، فلا جرم أن أثنيت عنان فرسي. والقوم جميعا قد ألهتهم نعمهم، واستسلموا للراحة نتيجة
غرورهم، أما أهل السجن فقد اضطربوا، وتملكتهم الحيرة من جراء قهري وبطشي، وأحيانا يخاطرون برؤوسهم وأحيانا بأيديهم، وأحيانا يكونون في شدة، وأحيانا في لين، وقد جلسوا منتظرين، بلا عمل ولا مسئولية، حتى يساقوا من السجن إلى المشنقة، فلا جرم أن أصبح هذا السجن روضة لي، لقد كانوا مخلصين في طاعتهم فلزم أن أنحاز إليهم.