قال له آخر: إنني أخشى الموت، فالطريق طويل وقد عدمت الزاد والقوت، وهكذا يرهب قلبي الموت. إن روحي ستزهق في أول مرحلة حتى وإن أكن الآن سيد الأجل وذا حول وطول. وإن يحل الأجل، أمت متألما متأوها، فكل من يغالب الأجل بقوة السيف، تصبح يده قلما، ويتحطم ما بيده من سيف. وا أسفاه، لن يبقى في هذه الدنيا من اليد والسيف غير الأسى، فواحسرتاه.
قال له الهدهد: أيها الضعيف العاجز، إلى متى ستبقى حفنة من عظام؟ فيا من ستختلط ببعضها البعض، ومن سيذوب عقله في عظامه، أنت لا تعرف هل يطول عمرك أو يقصر، وما الباقي من العمر إلا لحظات، إلام نعيشها؟ كما أنك لا تعرف أن كل فرد من بني البشر، مآله التراب، وكل ما بيده ستذروه الرياح، فلقد ربيت لموتك، وبعثت إلى الأرض من أجل حملك.
ما الفلك إلا طست مقلوب، ويغص هذا الطست كل ليلة بالدم من الشفق، فإذا مرت الشمس بسيوف أشعتها، فإنها تلقي كل هذه الرؤوس المدببة في طستها، وإن كنت قد أقبلت ملوثا أو طاهرا، فما أنت إلا قطرة ماء وسط الثرى، وإذا كانت قطرة الماء كلها آلام، فكيف تستطيع منازلة البحر في عراك وخصام، حتى ولو كنت ذا حول وطول طوال عمرك في الدنيا، فستسلم روحك بكل حرقة وأسى.