فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 454

ما أن أقبل الليل حتى جاءت الجواري صوبه في حذر واضطراب، ثم وضعنه في فراشه، وحملنه خفية إلى تلك الفتاة، وبسرعة أجلسنه على

عرش ونثرن عليه ماء الورد والمسك.

وفي منتصف الليل عندما بات الغلام نصف مفيق، فتح عينيه الشبيهتين بالنرجسة عن آخرهما، فرأى قصرا يشبه الفردوس في روائه، ورأى عرشا ذهبيا يحيط به، وقد اشتعلت عشر شموع عنبرية أكثر مما تشتعل أعواد الحطب، وشغلت الفتيات بالطرب والإنشاد، حتى ودع العقل الروح، وودعت الروح الجسد. وكانت الفتاة تجلس وسط الجمع كأنها الشمس بفعل نور الشمع، فجلس الغلام يتملكه السرور والفرح، وفقد نفسه أمام طلعة الفتاة، وظل حائرا فاقدا العقل والروح، بعيدا عن إدراك هذا العالم أو ذاك، وامتلأ قلبه عشقا، وعجز لسانه عن النطق، وأدركت روحه الحال من الذوق، وتعلقت عيناه بوجه الفتاة وأنصتت أذناه إلى صوت الألحان، وتنسمت مشامه رائحة العنبر.

وأخيرا خرجت أنفاسه أكثر لهيبا من النار، فأسرعت الفتاة وأعطته كأس خمر في الحال، كما جعلت القبلة نقل الشراب [1] ، فظلت عينه معلقة بطلعتها، ودهمته الحيرة من التطلع إلى وجهها، ولما لم ينطق لسانه بكلمة، ذرفت الفتاة الدمع، وحكت رأسها جزعا، وهكذا ظلت الفتاة الفاتنة تذرف الدمع غزيرا منسابا على وجنتيها، كما كانت تقبله قبلة كالسكر أحيانا أو تضع الملح في القبلة بلا شفقة أحيانا، وأحيانا تداعبه بطرتيها المضطربتين، وأحيانا تفقد نفسها في عينيه الساحرتين.

ظل الغلام الثمل أمام الفتاة الجذابة محدقا عينيه، لكنه ليس في صحو ولا غيبة، وظل الغلام على هذه النظرة، حتى أقبل الصبح

(1) كما يقول الشاعر العربي:

وشربنا من المدام كئوسا ... وجعلنا التقبيل نقل الشراب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت