كل من لا يعمل إلا متوكلا على الله، هو من يعقل بعيره ويتوكل [1] ، وكيف يليق بمن يتبع هذا المنطق، أن يسلب المستحقين أي حق، فتخل عن هذا التفكير، وإذا جاز أن تكون الرغبة لدى الصديق، لما قال «أقيلوني» [2] على الإطلاق، ولو قدر أن لدى عمر قدرا ضئيلا من الرغبة، لما قتل ابنه ضربا بالدرة.
كان الصديق رجل طريق دائما، ومتخليا عن الكل وللأعتاب كان ملازما، وكم نثر المال والعافية والروح، فالزم الحياء، فمثل هذا الرجل لا يستمرىء الظلم، وقد تطهر من قشور الرواية لأنه كان في لب الدراية.
فمن يتعدى على منبر الدين ليس للرسول أن يجلسه مكانه، وإن يدرك شخص هذا كله، فكيف يستطيع القول إنه لا حق له في الخلافة؟.
وعمر الفاروق المتسم بالعدل، كان يخلط الآجر أحيانا ويقتلع الشوك أحيانا، كما كان يحمل كومة الحطب على الكتف، ويمضي بها وسط المدينة، أما يومه فيقضيه في رياضة حبس النفس، وطعامه لا يتعدى سبع لقيمات، وما كان على خوانه غير الملح مع الخل، وما كان خبزه من بيت المال، وإذا نام فالحصى فراشه، والدرة وسادة رأسه، وأناء الليل كان يحمل القربة كالسقا، ليوصل الماء إلى العجوز، كما كان يقضي الليل يقظا قلبه لتفقد جنده
ذات مرة قال لحذيفة [3] : يا صاحب النظر، ألم تر مطلقا نفاقا في
(1) إشارة إلى حديث الرسول: «اعقلها وتوكل» . الجامع الصغير ج 1ص 155
(2) إشارة إلى قول أبي بكر في خطبة الخلافة: «أقبلوني، أقيلوني لست بخيركم» .
(3) حذيفة بن اليمان: أبو عبد الله حذيفة بن اليمان، من صحابة الرسول وجلسائه وراوي الحديث عنه، وهو العارف بالمحن وأحوال القلوب والمشرف على الفتن والآفات والعيوب
(راجع: حلية الأولياء ج 1، ص 283270) .