مرحبا بك أيتها القمرية الرقيقة، لقد رحلت مسرورة، ولكنك عدت مهمومة، ضيق قلبك وليد بقائك في الدماء، حيث ظللت أسيرة
محبس ذي النون [1] ، ويا من سببت الحيرة لحوت نفسك، ما أكثر ما سترين من سوء نفسك، فاقطعي رأس هذه السمكة الشريرة حتى تستطيعي مس مفرق القمر، وإذا ما تخلصت من سمكة النفس فستكونين في مجلس الخواص أنيسة يونس.
مرحبا بك أيتها الفاختة، لتطلقي أعذب الألحان. حتى أنثر عليك جواهر ملء سبعة صحون، إذا كان عنقك يحاط بطوق الفناء، فمن القبح أن يتسم عملك بعدم الوفاء، وإن ظهرت شعرة واحدة من وجودك، فأنا أنعتك بالخيانة من رأسك إلى قدمك، وإن تتقدمي متخلية عن نفسك، فستدركين بالعقل طريق المعاني، وإن يوصلك العقل صوب المعاني يمددك الخضر بماء الحياة.
مرحبا بك أيها الشاهين، يا من جئت محلقا لقد ذهبت جامحا ثم عدت منكس الرأس، فلا تجمح وأنت منكس الرأس، ولتستقر بعد أن عدت في الدماء غريقا، وإذا ألزمت نفسك بجيفة الدنيا، فلا جرم ستكون مهجورا في العقبى، فاطرح بعيدا عنك كلا من الدنيا والآخرة، ثم اطرح القلنسوة عن الرأس، وأمعن النظر، وإن تتخلّ عن الدنيا والآخرة، فستصل يد ذي القرنين إلى مكانك.
مرحبا بك أيها الحسون، لتتقدم مسرورا، وكن جادا في الأمر، وأقبل في سرعة النار، وأحرق كل ما يعترض طريقك مما بك من حرقة ولتغمض عين روحك عن الخلق، وحينما تحرق كل ما يصادفك، فإن نور الحق يزداد كل لحظة أمامك وإن اطلع قلبك على أسرار الحق فلتوقف نفسك على أمر الحق، ولكن حتى ولو تصبح طائرا كاملا في أمر الحق فلن تبقى إنما يبقى الحق وحده، والسلام.
(1) يقصد بذي النون يونس عليه السلام، والنون بمعنى الحوت.