وقضاء وقدرا كان يسير رجل فقير أسير، فوقعت عيناه على هذا البدر المنير، وكان المسكين يمسك برغيف، حيث كان قد ترك خبزه لدى الخباز، فما أن وقع نظره على ذلك البدر، حتى سقط الرغيف من يده إلى قارعة الطريق، ومرت الفتاة أمامه مسرعة كالنار، ضحكت عليه، ومضت غاية في الجمال، فما أن رأى المسكين ضحكتها، حتى سقط على الأرض مدرجا في دمائه، وبعد أن كان المسكين يملك نصف رغيف،
ونصف روحه، سرعان ما تطهر من كلا النصفين دفعة واحدة، وأصبح لا يقر له قرار ليلا أو نهارا، ولا يكف لحظة عن البكاء والحرقة. وكلما تذكر ضحكة سلطانة الجمال، انهمر في البكاء وكأنه السيل
وعلى هذا المنوال، قضى سبع سنوات مضطرب الحال، إذ كان ينام مع الكلاب في محلة ذات الجمال، حتى وقف عبيد الفتاة وخدمها على حقيقة الأمر، فعقد أولئك الظلمة العزم على قطع رأس ذلك المسكين، وكأنها شمعة.
في الخفاء دعت الفتاة المسكين، وقالت: أيمكن لمن مثلي أن تكون زوجة لمن مثلك؟ إنهم يقصدونك، فاهرب وسارع بالرحيل، لا تجلس بأعتابي، بل عليك أن تنهض وتسارع بالرحيل
قال لها المسكين: منذ ذلك اليوم نفضت يدي من روحي، حيث أصبحت بك مفتونا ثملا، ومئات الألوف من الأرواح الهائمة مثل روحي، تنثرها الرياح على وجهك كل ساعة، فإن كانوا يرغبون في قتلي بلا جريرة، فلي سؤال أرجو أن تتفضلي علي بإجابته، إن كنت ستقطعين رأسي بلا ذنب فلم كنت تهزئين بي في ذلك الزمان؟
قالت: عندما رأيتك بلا فضل، ضحكت عليك، يا من تردى في الجهل، قد يجوز الاستخفاف برأسك وذقنك، ولكن لا يليق الابتسام من أجلك. قالت هذا وتركته مسرعة وكأن كل ما حدث لم يحدث على الإطلاق