فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 454

وفي الليل رآه الزاهد في المنام، وقد احتل مكانه في الجنة، كما بدا وجهه ساطعا كالشمس، فقال له الزاهد: أيها الغلام، من أين لك في النهاية هذا المقام؟ لقد غرقت ما حييت في آثامك، وتلوثت بالخطايا من رأسك الى قدمك.

قال: لقسوتك رحمني الله، أنا المضطرب الوله، فانظر إلى الحكمة التي تتولد من المحبة، إنها تصنع الإنكار، كما تصنع الرحمة.

وفي ليلة حالكة السواد كجناح غراب، ترسل حكمته طفلا ممسكا بمصباح وهاج، ثم ترسل بعد ذلك ريحا عاتية، وتقول لها: اطفئي مصباحه، وامضي. ثم تمسك بالطفل وسط الطريق، قائلة له: لماذا أطفأت المصباح، أيها الجاهل؟

من ذا يمسك بالطفل يحاسبه، فإنه يعاتبه بكل شفقة ومحبة. وإن جاز أن يقتصر عمل الجميع على الصلاة، لجاز أن تقتصر حكمته على المجاز، وإذا كانت حكمته لا تتم إلا هكذا، فلا جرم أنه بلغ هذه المنزلة هكذا.

في طريقه توجد مئات الألوف من مظاهر الحكمة، وكل قطرة من تلك الحكمة بحر من الرحمة، ودورة النهار والليل في هذه الأيام، تتم من أجلك، أيها الغلام، وطاعة الملائكة من أجلك، والجنة والنار صورة من لطفك وقهرك. وقد سجد جميع الملائكة لك، وغرق الكل والجزء في وجودك، فلا تكثر من النظر بازدراء إلى نفسك، إذ لا يمكن أن يوجد من هو أعظم شأنا منك.

جسمك جزء، أما روحك فهي كل الكل، فلا تجعل من نفسك عاجزا في عين الذل، فما أن رحل كلك حتى ظهر جزؤك، وما أن ولت روحك حتى بدت أعضاؤك. لا ينفصل الجسد عن الروح، ويكون

جزءا مستقلا، ولا تنفصل الروح عن عالم الكليات، وتكون عضوا مستقلا. ولما لم يسلك طريق الوحدانية كبير عدد، فلا يمكن القول ببقاء الجزء والكل إلى الأبد، ومئات القطرات من الرحمة، تتساقط عليك حتى يزيد شوقه، وعندما يأتي وقت رفعة الكل، فمن أجلك كانت خلعة الكل، وكل ما قد فعله الملائكة، قد فعلوه من أجلك، وهذا مجمل القول. وسينشر الله سبحانه وتعالى عليك كل طاعتهم جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت