فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 454

ذات ليلة كان قلب محمود مفعما بالحرقة، فنزل ضيفا على عامل موقد الحمام المتصف بالفطنة، فأجلسه العامل على الرماد وهو غاية في السرور، وكان يقذف بالنشارة في الموقد وكله حبور، ثم وضع كسرة خبز

جافة أمامه، فمدّ السلطان محمود يده وأكلها، وقال: إن يطلب الوقاد عطاء مني في هذه الليلة، فسرعان ما أقطع رأسه عن جسده

وأخيرا، عندما عزم السلطان على الرحيل، قال له الوقاد: لقد رأيت هذا المكان، كما رأيت مرقدي ومطعمي وإيواني، فقد نزلت علي ضيفا بلا دعوة، فإن فكرت في ذلك مرة أخرى، فلتسرع بالقدوم، وأسرع الخطى، وعجل بالمجيء، أما إذا كانت رءوسنا غير جديرة بك، فلا تقم لذلك بالا، وقل: أيها الوقاد، أنثرها كالنشارة في الموقد، فأنا بالنسبة لك لست شيئا تافها أو عظيما، ومن ذا أكون حتى أمثل أمامك؟

سر سلطان الدنيا من حديثه، ونزل ضيفا سبع مرات عليه، وفي اليوم الأخير قال السلطان للوقاد: ألا تطلب شيئا من السلطان بعد كل هذا؟

قال: إن يقل المسكين حاجته، فلن يستسيغ السلطان منه تلك الحاجة

فقال السلطان: لتقل حاجتك، أتريد أن تكون ملكا، لتقل إنك تبغي التخلي عن موقد الحمام!

قال: بل حاجتي تتمثل في مجيء السلطان، ضيفا علي من آن إلى آن، فملكي في لقائك وكفى، وتاج مفرقي يتمثل في تراب طريقك وكفى. وما أكثر من نصبتهم ملوكا، ولكن موقد الحمام لا يليق بهذا المنصب، وإن يجالسك الوقاد في الموقد خير له من أن يكون سلطانا بدونك في روضة. وإن يتحقق وصالي معك في هذا الزمان، فكيف أستبدل ذلك بملك العالمين؟ وإذا كان حظي قد أقبل من موقد الحمام، فرحيلي عن هذا المكان يعد كفرا. وما أكثر أن عم الضياء الموقد بنورك،

فماذا يفضله حتى أطلبه منك؟ فليكن موت الروح لهذا القلب الولهان، إن يفضل عليك أي شيء مطلقا. وأنا لا أطلب جاها ولا سلطانا، وكل ما أطلبه منك هو أنت. فأنت السلطان وحدك، فلا تنصبني سلطانا، بل تعال لزيارتي كل فترة من الزمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت