قال لقمان السرخي [1] : إلهي، إنني شيخ هرم ولهان ضللت الطريق، وإن العبد الطاعن في السن يكافأ بوثيقة عتقه وإطلاق سراحه، أما أنا فما زلت عبدا لك يا إلهي، وقد ابيض شعري الأسود. إنني عبد تحمل الكثير من الغم، فامنحني السعادة، لقد أصبحت شيخا، فانعم علي بوثيقة العتق والحرية.
قال له هاتف: يا من يعد من خواص الحرم، إن كل من يطلب الخلاص من العبودية، عليه أن يفني عقله وتكليفه معا، فتخل عن كلا الاثنين، وسر في الطريق.
فقال: إلهي، إنني أطلبك أنت على الدوام، وليس لي بالعقل والتكليف أي اهتمام.
وأخيرا خرج عن حدود العقل والتكليف، وظل يرقص مما تملكه من جنون، ويقول: إنني لا أعرف الآن، من أنا، فإن لم أكن عبدا، فمن أنا؟ لقد انمحت العبودية، وانعدمت الحرية، وما تبقت ذرة هم أو بارقة سعادة في القلب، وهل عدمت الصفة؟ أم أنني أتسم بأي صفة؟
وهل أنا عارف؟ أم أنني عدمت المعرفة؟ ولا أعلم أأنا أنت، أم أنت أنا؟ فقد فنيت فيك وتلاشت الأنية.
(1) لقمان السرخسي: جاهد كثيرا في بداية سلوكه الطريق، وفجأة أنعم عليه بالكشف وولى منه العقل، وقد وردت هذه الحكاية في (أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد) وذكرت: أن لقمان سمع بعد تضرعه من يقول له: «يا لقمان قد اعتقناك» .
ويقول مؤلف أسرار التوحيد، إن الدليل على عتقه أن أخذ منه العقل والتكليف.
انظر: أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد لمحمد بن المنور بن أبي سعيد ترجمه: إسعاد عبد الهادي قنديل القاهرة: ص 4140