فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 403

[9] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: 15] . والاستهزاء من باب العبث والسخرية. وهو قبيح. والله تعالى منزّه عن القبيح؟

قلنا: سمّي جزاء الاستهزاء استهزاء مشاكلة؛ كقوله تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: 40] . فالمعنى: الله يجازيهم جزاء استهزائهم.

[10] «1» فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) [البقرة: 19] ومعلوم أنّ الصيّب لا يكون إلّا من السماء؟

قلنا: فائدته أنه ذكر السماء معرفة وأضافه إليها ليدلّ على أنّه من جميع آفاقها، لا من أفق واحد، إذ كلّ أفق يسمّى سماء. قال الشّاعر:

ومن بعد أرض بيننا وسماء

[11] فإن قيل: كيف قال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 22] ، مع أنّ المشركين لم يكونوا عالمين أنه لا ندّ له، ولا شريك له؛ بل كانوا يعتقدون أنّ له أندادا وشركاء؟

قلنا: معناه وأنتم تعلمون أنّ الأنداد لا يقدرون على شيء ممّا سبق ذكره في الآية، أو وأنتم تعلمون أنّه ليس في التّوراة والإنجيل جواز اتّخاذ الأنداد.

[12] فإن قيل: كيف قال: فَاتَّقُوا النَّارَ) [البقرة: 24] ، فعرّف النار هنا، ونكّرها في سورة التّحريم؟

قلنا: لأنّ الخطاب في هذه مع المنافقين، وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فعرّفت بلام الاستغراق أو العهد الذّهني، وفي تلك مع المؤمنين، والذي يعذّب من عصاتهم بالنّار يكون في جزء من أعلاها، فناسب تنكيرها لتقللها.

وقيل: لأنّ تلك الآية نزلت بمكّة، قبل هذه الآية، فلم تكن النار التي وقودها

(1) ( [10] ) صيّب: على وزن فيعل، مأخوذ من صاب يصوب، والمراد به المطر أو السحاب. كقول علقمة بن عبدة:

فكأنّما صابت عليه سحابة ... صواعقها لطير هنّ دبيب

-الشاهد الذي ذكره الرّازي عجز بيت حكاه الفراء في كتابه معاني القرآن عن أبي الجراح. والبيت بتمامه:

فأوّه من الذّكرى إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء

وقوله: أوّه (مأخوذ من يتأوّه له) لغة في بني عامر، على ما ذكر الفرّاء. يراجع معاني القرآن، مج 2 ص 23.

وقد وهم بعض فروى صدر البيت كالتالي:

فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت