قلنا: قيل: أريد بالآية العموم ثم نسخ بقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها) [البقرة: 286] . وقيل: لا نسخ فيه؛ لأنّه خبر لا أمر أو نهي؛ بل العموم غير مراد؛ وإنّما المراد ما يمكن الاحتراز عنه، وهو العزم القاطع، والاعتقاد الجازم؛ لا مجرّد حديث النفس والوسوسة. ولأنّه أخبر عن المحاسبة لا عن المعاقبة؛ فهو يوم القيامة يخبر العباد بما أبدوا وما أخفوا، ليعلموا إحاطة علمه بجميع ذلك؛ ثم يغفر لمن يشاء فضلا، ويعذّب من يشاء عدلا، كما أخبر في الآية.
[84] فإن قيل: أيّ شرف للرّسول صلّى الله عليه وسلّم في مدحه بالإيمان؛ مع أنّه في رتبة الرّسالة ودرجتها، وهي أعلى من درجة الإيمان؛ فما فائدة قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ) [البقرة: 285] ؟
قلنا: فائدة أن يبيّن للمؤمنين زيادة شرف الإيمان؛ حيث مدح به خواصّه ورسله؛ ونظيره، في سورة الصافات، قوله تعالى، في خاتمة ذكر كلّ نبيّ: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: 81] .
[85] فإن قيل: روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنّه قرأ: «ملائكته وكتابه» ، فسئل عن ذلك، فقال: «كتاب أكثر من كتب» فما وجهه؟
قلنا: قيل فيه أنه أراد أنّ الكتاب جنس والكتب جمع، والجنس أكثر من الجمع؛ لأنّ حقيقته في الكلّ على ما ذهب إليه بعضهم. ويرد على هذا أن يقال:
الكلام في الجمع المضاف والمفرد المضاف للاستغراق، عرفا وشرعا، كقوله لعبده:
أكرم أصدقائي، وأهن أعدائي؛ وقوله: زوجاتي طوالق وعبيدي أحرار؛ بخلاف قوله:
صديقي وعدوي وعبدي وامرأتي؛ فظهر أنّ الجمع المضاف أكثر.
[86] فإن قيل: قوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: 285] ، كيف قال ذلك؛ مع أنّ بين لا تضاف إلّا إلى اثنين فصاعدا، فكيف قال: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: 285] .
قلنا: أحد هنا بمعنى الجمع الذي هو آحاد كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) [الحاقة: 47] فإنّه ثمّ بمعنى الجمع، بدليل قوله تعالى: (حاجِزِينَ فكأنه قال: لا نفرق بين آحاد من رسله، كقولك: المال بين آحاد الناس؛ ولأنّ أحدا يصلح للمفرد المذكر والمؤنث، وتثنيتهما وجمعهما نفيا وإثباتا، تقول: ما رأيت أحدا إلّا بني فلان،