قلنا: هم كانوا مقرين أنه يعذبهم أربعين يوما وهي مدة عبادتهم العجل، في غيبة موسى عليه السلام لميقات ربه؛ ولذلك قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) [البقرة: 80] .
وقيل: أراد به العذاب الذي أوقعه ببعضهم في الدنيا من مسخهم قردة كما فعل بأصحاب السبت، وخسف الأرض كما فعل بقارون، وهذا لا ينكرونه، وعلى هذا الوجه يكون المضارع بمعنى الماضي في قوله: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ) [المائدة: 18] والإضافة إليهم بمعنى الإضافة إلى آبائهم، كأنه قال: فلم عذب آباءكم.
[222] فإن قيل: قوله تعالى: (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) [المائدة: 18] إن أريد به يغفر لمن يشاء منكم أيها اليهود والنصارى، ويعذب من يشاء يلزم جواز المغفرة لهم وأنه غير جائز لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: 48] وإن أريد به يغفر لمن يشاء من المؤمنين ويعذب من يشاء لا يصلح جوابا لقولهم.
قلنا: المراد به يغفر لمن يشاء منهم إذا تاب من الكفر. وقيل: يغفر لمن يشاء ممن خلق وهم المؤمنون، ويعذب من يشاء وهم المشركون.
[223] فإن قيل: كيف قيل: يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) [المائدة: 20] ولم يكن قوم موسى عليه السلام ملوكا؟
قلنا: المراد جعل فيكم ملوكا، وهم ملوك بني إسرائيل، وهم اثنا عشر ملكا، لاثني عشر سبطا، لكل سبط ملك.
وقيل: المراد به أنه رزقهم الصحّة، والكفاية، والزوجة الموافقة، والخادم، والبيت، فسماهم ملوكا لذلك.
وقيل: المراد به أنه رزقهم المنازل الواسعة التي فيها المياه الجارية.
[224] فإن قيل: من أين علم الرجلان أنهم الغالبون، حتى قالا: فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ) [المائدة: 23] ؟
قلنا: من جهة وثوقهم بإخبار موسى صلّى الله عليه وسلّم بذلك بقوله: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: 21] .
وقيل: علما ذلك بغلبة الظن، وما عهداه من صنع الله تعالى بموسى عليه الصلاة والسلام في قهر أعدائه.