فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 403

الثاني: أن المراد بالكل هنا البعض، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) [البقرة: 260] وقوله تعالى: (وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) [يونس: 22] وقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 23] وقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) [الإسراء: 13] وقول لبيد الشاعر:

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل

وكثير من الأشياء غير الله تعالى حقّ، كالنبي عليه الصلاة والسلام والإيمان والجنة وغير ذلك، وكذلك نعيم الجنة والآخرة ليس بزائل، ولبيد صادق في هذا البيت لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد» :

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

إلى آخره.

[473]فإن قيل: ما فائدة تخصيص هذه السورة بقوله تعالى:(وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ)[هود: 120]مع أنّ الحق جاء في كل سور القرآن؟

قلنا: قالوا فائدة تخصيص هذه السورة بذلك زيادة تشريفها وتفصيلها مع مشاركة غيرها إياها في ذلك كما في قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ) [الجن: 18] وقوله تعالى:

وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: 98] بعد قوله: وَمَلائِكَتِهِ) [البقرة: 98] وقوله تعالى:

وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) [البقرة: 238] بعد قوله: الصَّلَواتِ) [البقرة: 238] ووجه المشابهة بينهما أنه حمل قوله تعالى: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: 98] على التشريف والتفضيل عند تعذر حمله على تعليق العداوة به لئلّا يلزم تحصيل الحاصل، وكذا في المثال الأخير تعذر حمله على إيجاب المحافظة لما قلنا، وهنا تعذر حمله على حقيقته وهو الجنس بأن حقيقته انحصار كل حقّ في هذه السورة وهو منتف، أو حمل الحق على معهود سابق وهو منتف، وحمله على بعض الحق يلزم منه وصف هذه السورة بوصف مشترك بينها وبين كل السور، وأنه لا يحسن كما لو قال: وجاءك في هذه الحق آيات الله أو كلام الله أو كلام معجز، فجعل مجازا عن التفضيل والتشريف.

وقيل: الإشارة بهذه إلى الدنيا لا إلى السورة، والجمهور على القول الأول.

ولا يقال إنما خصت هذه السورة بذلك؛ لأن فيها الأمر بالاستقامة بقوله تعالى:

فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود: 112] والاستقامة من أعلى المقامات عند العارفين، لأنا نقول الأمر بالاستقامة جاء أيضا في سورة حمعسق قال الله تعالى وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) [الشورى: 15] ولا يصلح هذا علة للتخصيص، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت