قلنا: لمّا كان النخيل والأعناب أكرم الشّجر، وأكثرها منافع، خصّهما بالذّكر، وجعل الجنّة منهما؛ وإن كان فيها غيرهما؛ تغليبا لهما، وتفضيلا.
[74] «1» فإن قيل: قوله تعالى: (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا) [البقرة: 273] ، يدل بمفهومه على أنّهم كانوا يسألون الناس برفق؛ فكيف قال: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: 273] .
قلنا: المراد به نفي السؤال والإلحاف جميعا، كقوله تعالى: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ) [البقرة: 71] وكقول الأعشى:
لا يغمز الساق من أين ولا وصب
معناه: ليس بساقه أين ولا وصب، فيغمزها.
[75] فإن قيل: كيف قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) [البقرة: 275] الآية؛ ألحق الوعيد بآكله؛ مع أنّ لابسه ومدّخره وواهبه، أيضا؛ في الإثم سواء؟
قلنا: لمّا كان أكثر الانتفاع والهمم بالمال، إنّما هو الأكل؛ لأنّه مقصود لا غناء عنه، ولا بدّ منه؛ عبّر عن أنواع الانتفاع بالأكل، كما يقال: أكل فلان ماله كله، إذا أخرجه في مصالح الأكل وغيره؟
[76] فإن قيل: كيف خصّ الآكل بذكر الوعيد دون المطعم، وكلاهما آثم؟
قلنا: لأنّ انتفاعه الدّنيوي بالرّبا أكثر من انتفاع المطعم.
[77] فإن قيل: كيف قال: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) [البقرة: 275] ، والكلام إذ ذاك في الرّبا، ومقصودهم تشبيهه بالبيع؛ فقياسه: إنّما الرّبا مثل البيع، في حلّه؟
قلنا: جاءوا بالتّمثيل على طريق المبالغة؛ وذلك أنه بلغ من اعتقادهم استحلال الرّبا أنهم جعلوه أصلا في الحلّ، والبيع فرعا، كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفّه، إذا أرادوا المبالغة.
(1) ( [74] ) إلحاف: إلحاح.
ذلول: أي منقادة، غير متصعّبة.
أين: إعياء وتعب.
وصب: السقم والمرض. وجمعه أوصاب. والفعل: وصب.
يغمز: من الغمز وهو الإشارة. ويكون بالعين واليد والجفن. يقال: فلان فيه غميزة، أي نقيصة وعيب. ويقال: غمزت الكبش، إذا فحصت بيدك عن شحمه وسمنه.