فهرس الكتاب
[النساء: 80] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: 10] .
قلنا: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا قال: ومن هو كاذب، يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلا لهم.
[465] فإن قيل: كيف قال تعالى: (إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ) [هود: 102] والقرى لا تكون ظالمة؛ لأن الظلم من صفات من يعقل أو من صفات الحيوان دون الجماد؟
قلنا: هو من الإسناد المجازي، والمراد به أهلها، كما قال تعالى، في موضع آخر: أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) [النساء: 75] ؛ لكن لما أمن اللبس أسند الظلم إلى القرية لفظا كما في قوله تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82] .
[466] فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [هود: 105] وقوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) [النحل: 111] وقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: 35، 36] فإن الآية الثالثة تناقض الآية الأولى بنفي الإذن، وتناقض الآيتين جميعا بنفي النطق! قلنا: أما التوفيق بين الآيتين الأوليين فظاهر؛ لأن معناه تجادل عن نفسها بإذنه فتوافقت الآيتان، وأما الآية الثالثة فإنها لا تناقض الآية الأولى بنفي الإذن، إن قلنا إن الاستثناء من النفي ليس بإثبات؛ لأن الآية الأولى لا تقتضي وجود الإذن حينئذ؛ بل تقتضي نفي الكلام عند انتفاء الإذن، فأما إن قلنا إن الاستثناء من النفي إثبات ناقضت الآية الثالثة الأولى، ولا تناقض الآيتين بنفي النطق؛ لأن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف ومواطن؛ ففي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم فيه، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم، وهذا جواب عام عن مثل هذه الآيات ويرد على هذا أن يقال قوله تعالى: (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) [المرسلات: 35] نفي النطق عنهم يوم القيامة، فيقتضي انتفاءه في جميع أجزاء ذلك الزمان عملا بعموم النفي، كما يعم النفي جميع أجزاء المكان في قولنا لا وجود لزيد في الدار، فاندفع الجواب باختلاف المواقف والمواطن، فيكون الجواب أن الآية الثالثة أريد بها طائفة خاصة غير الطائفتين الأوليين فلا تناقض.
[467] فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود: 105] وكلمة من للتبعيض، ومعلوم أن الناس كلهم إما شقي أو سعيد، فما معنى التبعيض؟