قلنا: أراد به الجنس فعبّر عنه بلفظ الفرد، كقوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها) [الحاقة: 17] .
الثاني: أن العرب تطلق الواحد وتريد الاثنين، وعليه جاء قوله تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) [ق: 17] . وقال الشاعر:
فإنّي وقيار بها لغريب
تقديره: فإني بها لغريب وقيار كذلك، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ) [البقرة: 62] الآية. وقيل: إنما أفرده لأن فعيلا يستوي فيه الواحد والمثنّى والمجموع.
قلنا: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له ذلك كناية عن حقيقة الجواب وتعريضا، معناه إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا منّي فلم تقتلني؟
[228] «1» فإن قيل: كيف قال هابيل لقابيل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) [المائدة: 29] ، أي تنصرف بهما؛ مع أن إرادة السوء والوقوع في المعصية للأجنبي حرام، فكيف للأخ؟
قلنا: فيه إضمار حرف النفي تقديره: إنّي أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك، كما في قوله تعالى: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) [النمل: 15] ، أي أن لا تميد بكم، وقوله تعالى: (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف: 85] ، وقول امرئ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
الثاني: أن فيه حذف مضاف تقديره: إني أريد انتفاء أن تبوء بإثمي وإثمك، كما في قوله تعالى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: 93] ، أي حبّ العجل.
الثالث: أن معناه، إنّي أريد ذلك إن قتلتني لا مطلقا.
الرابع: أنه كان ظالما، وجزاء الظالم تحسن إرادته من الله تعالى فتحسن من العبد أيضا.
(1) ( [228] ) تمام البيت:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
وهو من قصائد ديوانه: 32.