قال: ويكلّم الناس في المهد، كما يكلّمهم كهلا. وقال الزّجّاج: هذا، خرج مخرج البشارة لمريم أنّه، عليه الصلاة والسلام، سيبقى إلى زمن الكهولة. فهو بشارة لها بطول عمره. وقيل: المقصود منه أنّ الزّمان يؤثّر فيه، كما يؤثّر في غيره، وينقله من حال إلى حال؛ ولو كان إلها لم يجز عليه التغيير.
قلنا: لمّا هدّده اليهود بالقتل، بشّره الله بأنه إنّما يقبض روحه بالوفاة لا بالقتل؛ والواو لا تفيد التّرتيب؛ فلا يلزم من الآية موته قبل رفعه.
الثّاني: أنّ فيه تقديما وتأخيرا، أي أنّي رافعك ومتوفيك.
والثّالث: أنّ معناه: قابضك من الأرض تامّا، وافيا في أعضائك وجسدك، لم ينالوا منك شيئا؛ من قولهم: توفّيت حقّي على فلان، إذا استوفيته تامّا وافيا.
الرّابع: أنّ معناه: إنّي متوفّيك في نفسك بالنّوم، من قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) [الزمر: 42] ورافعك إليّ، وأنت نائم؛ حتّى لا تخاف، بل تستيقظ وأنت في السماء.
[107] فإن قيل: كيف قال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ)[آل عمران:
59]، وآدم خلق من التراب، وعيسى خلق من الهواء؛ وآدم خلق من غير أب وأمّ، وعيسى خلق من أمّ.
قلنا: المراد به التّشبيه في وجوده بغير واسطة أب. والتّشبيه لا يقتضي المماثلة من جميع الوجوه، بل من بعضها.
[108] فإن قيل: كيف خصّ أهل الكتاب بأنّ منهم أمينا وخائنا، بقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) [آل عمران: 75] الآية؛ والمسلمون وغيرهم من أهل الملل كذلك، منهم الأمين والخائن.
قلنا: إنّما خصّهم باعتبار واقعة الحال؛ فإنّ سبب نزول الآية أنّ عبد الله بن سلام أودع ألفا ومائتي أوقية من الذّهب، فأدّى الأمانة فيها؛ وفنحاص بن عازوراء أودع دينارا، فخانه؛ ولأنّ خيانة أهل الكتاب المسلمين تكون عن استحلال، بدليل آخر الآية؛ بخلاف خيانة المسلم المسلم، فلذلك خصّهم بالذّكر.
[109] فإن قيل: كيف قال: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [آل عمران: 83] وأكثر الجنّ والإنس كفرة؟
قلنا: المراد بهذا: الاستسلام والانقياد لما قضاه الله عليهم، وقدّره من الحياة والموت، والمرض والصحة، والشّقاء والسعادة، ونحو ذلك.