وفسادهم مستلزما لصلاح الرعية وفسادها غالبا خصّهم بالذّكر، ويؤيد هذا ما جاء في الخبر: «صلاح الوالي صلاح الرّعيّة، وفساد الوالي فساد الرّعيّة» .
قلنا: المراد من كان يريد بإسلامه وطاعته وعبادته الدنيا لا غير، ومثل هذا لا يكون إلا كافرا أو منافقا، ولهذا قال ابن جرير: هذه الآية لمن لا يؤمن بالمعاد، وأما من أراد من الدنيا قدر ما يتزود به إلى الآخرة فكيف يكون مذموما، مع أن الاستغناء عن الدنيا بالكلية وعن جميع ما فيها لا يتصور في حق البشر ولو كانوا أنبياء، فعلم أن المراد ما قلنا.
[588] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء: 20] أي ممنوعا، ونحن نرى ونشاهد في الواقع أن واحدا أعطاه قناطير مقنطرة وآخر منعه العطاء حتى الدانق والحبة؟
قلنا: المراد بالعطاء هنا الرزق، والله تعالى سوّى في ضمان الرزق وإيصاله بين البر والفاجر والمطيع والعاصي، ولم يمنع الرزق عن العاصي بسبب عصيانه، فلا تفاوت بين العباد في أصل الرزق، وإنما التفاوت بينهم في مقادير الأملاك.
[589] فإن قيل: كيف منع الله تعالى الكفار التوفيق والهداية ولم يمنعهم الرزق؟
قلنا: لأنه لو منعهم الرزق لهلكوا وصار ذلك حجة لهم يوم القيامة، بأن يقولوا لو أمهلتنا ورزقتنا لبقينا أحياء فآمنا.
الثاني: أنه لو أهلكهم بمنع الرزق لكان قد عاجلهم بالعقوبة، فيتعطل معنى اسمه الحليم عن معناه؛ لأنّ الحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه.
الثالث: أن منع الطعام والشراب من صفات البخلاء الأخساء، والله تعالى منزه عن ذلك.
وقيل: إعطاء الرزق لجميع العبيد عدل، وعدل الله عام، وهبته التوفيق والهداية فضل، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
[590] فإن قيل: ما فائدة قوله: «عندك» في قوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) [الإسراء: 23] .
قلنا: فائدته أنهما يكبران في بيته وكنفه ويكونان كلّا عليه لا كافل لهما غيره، وربما تولى منهما من المشاقّ ما كانا يتوليان منه في حال الطفولية.