فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 403

قلنا: الإخراج يستعمل بمعنى المنع عن الدّخول؛ يقال لمن امتنع عن الدّخول في أمر خرج منه، وأخرج نفسه منه؛ وإن لم يكن دخل فيه. فعصمة الله تعالى المؤمنين عن الدخول في ظلمات الضّلال إخراج لهم منها، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الّذي يصدّونهم به عن الحقّ إخراج لهم من نور الهدى. ولأنّ إيمان رؤساء أهل الكتاب بالنّبيّ، عليه الصلاة والسلام، قبل أن يظهر، كان نورا لهم؛ وكفرهم به، بعد ظهوره، خروج منه، إلى ظلمات الكفر. ولأنّه لما ظهرت معجزاته، عليه الصلاة والسلام، كان موافقه ومتّبعه خارجا من ظلمات الجهل، إلى نور العلم؛ ومخالفه خارجا من نور العلم، إلى ظلمات الجهل.

[66]فإن قيل: كيف انتقل إبراهيم، صلّى الله عليه وسلّم، إلى حجّة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى؛ مع أنّه لم ينقطع بما عارضه به نمرود، من قتل أحد المجوسيين وإطلاق الآخر؛ فإن إبراهيم، صلّى الله عليه وسلّم، ما أراد هذا الإحياء والإماتة؟

قلنا: إمّا لأنّه رأى خصمه قاصر الفهم عن إدراك معنى الإحياء والإماتة التي أضافها إبراهيم، صلّى الله عليه وسلّم، إلى الله؛ حيث عارض معارضة لفظيّة، وعمي عن اختلاف المعنيين؛ أو لأنّه علم أنّه فهم الحجّة، لكنّه قصد التمويه والتلبيس على أتباعه وأشياعه؛ فعدل إبراهيم إلى أمر ظاهر يفهمه كلّ أحد، ولا يقع فيه تمويه ولا تلبيس.

[67] فإن قيل: كيف طبع الله على قلبه، فلم يعارض بالعكس، في طلوع الشمس؟

قلنا: لأنّه لو عارض به لم يأت الله بها من المغرب، لأن ذلك أمارة قيام الساعة فلا يوجد إلا قريبا من قيامها، ولأنّه وأتباعه كانوا عالمين أنّ طلوعها من المشرق سابق على وجوده، فلو ادّعاه لكذّبوه.

[68] «1» فإن قيل: كيف قال عزير، عليه السلام، منكرا مستبعدا: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها) [البقرة: 259] ، وهو نبيّ؛ والنبيّ لا تخفى عليه قدرة الله تعالى على إحياء قرية خربة وإعادة أهلها إليها؟

قلنا: ما قاله منكرا مستبعدا لعظيم قدرة الله تعالى؛ بل متعجّبا من عظيم قدرته تعالى أو طلبا لرؤية كيفيّة الإعادة؛ لأنّ أنّى بمعنى كيف، أيضا. وقد نقل عن مجاهد أنّ المارّ على القرية القائل ذلك كان رجلا كافرا شاكّا في البعث؛ وإن كان الأوّل هو المشهور.

(1) ( [68] ) مجاهد بن جبير، أبو الحجاج المكّي، مولى بني مخزوم. تابعي، مفسّر. أخذ التفسير عن ابن عباس. ولد سنة 21 هـ وتوفي 104 هـ. غير أنهم طعنوا في آرائه في التفسير، لاتهامه بأنه يأخذ عن أهل الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت