فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 403

إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) [ص: 23] إلى آخره، ولم يكن كما قال؟

قلنا: إنما قالا ذلك على سبيل الفرض والتصوير للمسألة، ومثل ذلك لا يعد كذبا كما تقول في تصوير المسائل، زيد له أربعون شاة وعمرو له أربعون وأنت تشير إليهما، فخلطاها وحال عليها الحول، كم يجب فيها وليس لهما شيء، وتقول لي أربعون شاة ولك أربعون فخلطناها وما لكم شيء.

[943]فإن قيل: كيف حكم داود عليه السلام على المدعى عليه بكونه ظالما قبل أن يسمع كلامه؟

قلنا: لم يحكم عليه إلا بعد اعترافه كذا نقله السدّي، إلا أنه حذف ذكر الاعتراف في القصة اختصارا لدلالة الحال عليه، كما تقول العرب: أمرته بالتجارة فكسب الأموال، أي فاتجر فكسب الأموال.

[944] «1» فإن قيل: ما معنى تكرار الحبّ في قوله عليه السلام: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) [ص: 32] وما معنى تعديته بعن وظاهره أحببت حبا مثل حب الخير، كما تقول أحببت حب زيد، أي أحببت حبا مثل حب زيد؟

قلنا: أحببت في الآية بمعنى آثرت، كما يقول المخيّر بين شيئين: أحببت هذا، أي آثرته، وقد جاء استحب بمعنى آثر، قال الله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى أي آثروه: لأن من أحب شيئا فقد آثره على غيره، وعن بمعنى على كما في قوله تعالى:(وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) [محمد: 38] فيصير المعنى أي آثرت حب الخير على ذكر ربّي.

الثاني: وهو اختيار الجرجاني صاحب معاني القرآن أن أحببت بمعنى قعدت وتأخرت مأخوذ من أحب الجمل إذا برك، ومنه قول الشاعر:

دعتك إليها مقلتاها وجيدها ... فملت كما مال المحب على عمد

فالمحب هنا الجمل، والعمد علة تكون في سنام الجمل، وكل من ترك شيئا وتجنب أن يفعله فقد قعد عنه، فتأويل الآية: إني قعدت عن ربي لحب الخير، فيكون انتصاب حب على أنه مفعول له.

[945] فإن قيل: كيف قال سليمان عليه السلام: وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ

(1) ( [944] ) الجرجاني: هو عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر، مؤسس أصول البلاغة وأحد أئمة اللغة. أصله من جرجان، توفي سنة 471 هـ. من مؤلفاته: أسرار البلاغة، دلائل الإعجاز، الجمل، التتمة، إعجاز القرآن، العوامل المائة، العمدة، الخ.

-البيت لم نقف على نسبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت