قلنا: إضافة الإضلال إليها مجاز بطريق المشابهة. ووجهه أنهم لما ضلوا بسببها فكأنها أضلتهم، كما يقال فتنتهم الدنيا وغرتهم، أي افتتنوا بسببها واغتروا، ومثله قولهم: دواء مسهل، وسيف قاطع، وطعام مشبع، وماء مرو وما أشبه ذلك. ومعناه:
حصول هذه الآثار بسبب هذه الأشياء، وفاعل الآثار هو الله تعالى.
قلنا: قال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، لو قال إبراهيم عليه السلام في دعائه أفئدة الناس، لحجت جميع الملل وازدحم عليه الناس حتى لم يبق لمؤمن فيه موضع، مع أن حج غير الموحدين لا يفيد، والأفئدة هنا القلوب في قول الأكثرين، وقيل: الجماعة من الناس.
[525] فإن قيل: إذا كان الله تعالى قد ضمن رزق العباد، فلم سأل إبراهيم عليه السلام الرزق لذريته فقال: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ) [إبراهيم: 37] ؟
قلنا: الله تعالى ضمن الرزق والقوت الذي لا بد للإنسان منه ما دام حيا ولم يضمن كونه ثمرا أو حبا أو نوعا معينا، فالسؤال كان لطلب الثمر عينا.
[526] فإن قيل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ)[إبراهيم:
39]شكر على نعمة الولد، فكيف يناسبه بعده إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ) [إبراهيم: 39] ؟
قلنا: لما كان قد دعا ربه لطلب الولد بقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)[الصافات:
100]فاستجاب له، ناسب قوله بعد الشكر: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ) [إبراهيم: 39] أي لمجيبه من قولهم: سمع الملك قول فلان إذا أجابه وقبله، ومنه قولهم في الصلاة «سمع الله لمن حمده» أي أجابه وأثابه.
[527] فإن قيل: كيف قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ) [نوح: 28] استغفر إبراهيم لوالديه وكانا كافرين، والاستغفار للكافرين لا يجوز، ولا يقال إن هذا موضع الاستثناء المذكور في قوله تعالى: (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ) [التوبة: 114] الآية، لأن المراد بذلك استغفاره لأبيه خاصة بقوله: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: 86] والموعدة التي وعدها إيّاه إنما كانت له خاصة بقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) [مريم: 47] ولهذا قال تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: 4] ؟
قلنا: هذا الاستغفار لهما كان مشروطا بإيمانهما تقديرا، كأنه قال ولوالدي إن آمنا.
الثاني: أنه أراد بهما آدم وحواء صلوات الله عليهما، وقرأ ابن مسعود وأبي