بطلان عملهم، فما فائدة قوله بعده وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 16] ؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: (وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) [هود: 16] أي بطل ثواب ما صنعوا من الطاعات في الدنيا وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 16] من الرياء.
قلنا: لأن الضمير في قولهما عليه لتبليغ الرسالة المدلول عليه بأول الكلام في القصتين، ولكن في قصة نوح عليه السلام وقع الفصل بين الضمير وبين ما هو عائد عليه بكلام آخر، فجيء بواو الابتداء. وفي قصة هود عليه السلام لم يقع بينهما فصل فلم يحتج إلى واو الابتداء، هذا ما وقع لي فيه، والله أعلم.
[450] «1» فإن قيل: قوله تعالى: (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [هود: 43] لا يناسبه المستثنى في الظاهر وهو قوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ) [هود: 43] لأن المرحوم معصوم، فظاهره يقتضي لا معصوم إلا من رحم، أي لا معصوم من الغرق بالطوفان إلا من رحمة الله بالإنجاء في السفينة؟
قلنا: عاصم هنا بمعنى معصوم، كقوله تعالى: (مِنْ ماءٍ دافِقٍ) [الطارق: 6] مدفوق، وقوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [الحاقة: 21] ، أي مرضية، وقول العرب:
سر كاتم، أي مكتوم.
الثاني: أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، أي إلا الرّاحم وهو الله تعالى، وليس معناه المرحوم، فكأنه قال: لا عاصم إلا الله.
الثالث: أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا مكان من رحم الله من المؤمنين
(1) ( [450] ) قال العكبري: «قوله تعالى: (لا عاصِمَ الْيَوْمَ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه اسم فاعل على بابه، فعلى هذا يكون قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ فيه وجهان:
أحدهما، هو استثناء متصل ومَنْ رَحِمَ بمعنى الرّاحم، أي لا عاصم إلّا الله، والثاني، أنه منقطع، أي لكن من رحمه الله يعصم.
والوجه الثاني: أن عاصما بمعنى معصوم، مثل ماءٍ دافِقٍ أي مدفوق؛ فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا، أي إلّا من رحمه الله.
والثالث: أن عاصما بمعنى ذا عصمة على النسب، مثل حائض وطالق، والاستثناء على هذا متصل أيضا، فأما خبر لا فلا يجوز أن يكون اليوم، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة؛ بل الخبر من أمر الله، واليوم معمول من أمر، ولا يجوز أن يكون اليوم معمول عاصم، إذ لو كان كذلك لنوّن».
إملاء ما منّ به الرحمن، ج 2 ص 39.