أن يسمى الله تعالى شيئا، ولو صح ذلك لصح نداؤه به كالحي القيوم ونحوهما؟.
قلنا: صحة ندائه تعالى مخصوصة بما يدل على المدح وصفة الكمال كالحي والقيوم ونحوهما، لا بكل ما يصح إطلاقه عليه؛ ألا ترى أن الموجود والثابت يصح إطلاقه عليه سبحانه وتعالى لا يصح نداؤه به؟ كذا ذكروا.
قلنا: إنما لم يصح ذلك من غير النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه لا يقدر على إقامة الدليل على أن الله تعالى يشهد له، والنبي صلّى الله عليه وسلّم أقام الدليل على ذلك بقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ) [الأنعام: 19] لأنه معجز.
[276] فإن قيل: في قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: 23] كيف يكذبون يوم القيامة بعد معاينة حقائق الأمور، وقد بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ) [العاديات: 9، 10] ؟
قلنا: المبتلى يوم القيامة ينطق بما ينفعه وبما يضره لعدم التمييز بسبب الحيرة والدهشة، كحال المبتلى المعذب في الدنيا يكذب على نفسه وعلى غيره، ويتكلم بما يضره، ألا تراهم يقولون ربنا أخرجنا منها وقد أيقنوا بالخلود فيها، وقالوا: يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ) [الزخرف: 77] وقد علموا أنه لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها) [فاطر: 36] .
[277] فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء: 42] ؟
قلنا: القيامة مواقف مختلفة؛ ففي بعضها لا يكتمون، وفي بعضها يحلفون كاذبين، كما قال عزّ وجلّ: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 92، 93] وقال تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) [الرحمن: 39] وقيل إن حلفهم كاذبين يكون قبل شهادة جوارحهم عليهم، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء: 42] يكون بعد شهادتها عليهم.
[278] فإن قيل: كيف قال: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الأنعام: 32] وهو خير لغير المتقين أيضا كالأطفال والمجانين؟
قلنا: إنما خصهم بالذكر لأنهم الأصل فيها من حيث أن درجتهم أعلى وغيرهم تبع لهم.