قلنا: المراد تشبيههم بالأنعام في الضلال عن فهم الحق ومعرفة الله تعالى بواسطة دعوة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
الثاني: أن المراد تشبيههم في الضلال والعمى عن أمر الدين بالأنعام في ضلالها وعماها عن أمر الدين.
قلنا: المراد بقوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ) [الفرقان: 44] التشبيه في أصل الضلال لا مقداره. والثاني: بيان لمقداره. وقيل: المراد بالأول التشبيه في المقدار أيضا؛ ولكن المراد بالأول طائفة وبالثاني طائفة أخرى، ووجه كونهم أضل من الأنعام أن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممّن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العذاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الرّوي.
[758] فإن قيل: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) [الفرقان: 48، 49] كيف ذكر الصفة والموصوف مؤنث ولم يؤنثها كما أنثها في قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) [يس: 33] .
قلنا: إنما ذكرها نظرا إلى معنى البلدة وهو البلد والمكان لا إلى لفظها.
[759] فإن قيل: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا) [الفرقان: 48، 49] ، فإنزاله موصوفا بالطهورية، وتعليل ذلك بالإحياء والسقي يشعر بأنّ الطهورية شرط في حصول تلك المصلحة، كما تقول: حملني الأمير على فرس سابق لأصيد عليه الوحش وليس كذلك.
قلنا: وصف الطهورية ذكر إكراما للأناسي الذين شربهم من جملة المصالح التي أنزل لها الماء، وإتماما للمنة والنعمة عليهم، لا لكونه شرطا في تحقق تلك المصالح والمنافع، بخلاف النظير فإنه قصد بكونه سابقا الشرطية؛ لأن صيد الوحش على الفرس لا يتم إلا بها.
[760] فإن قيل: كيف خص تعالى الأنعام بذكر السقي دون غيرها من الحيوان الصامت؟