قلنا: معناه لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأصنام أولياء من دون الله مثل اتخاذ العنكبوت بيتا لما اتخذوها.
[837] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت: 46] وكل أهل الكتاب ظالمون؛ لأنهم كافرون، ولا ظلم أشد من الكفر، ويؤيده قوله تعالى: (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة: 254] .
قلنا: المراد بالظلم هنا الامتناع عن قبول عقد الذمة وأداء الجزية أو نقض العهد بعد قبوله.
الثاني: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة: 29] الآية.
[838] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [48] ؟
قلنا: فائدته تأكيد النفي، كما يقال في الإثبات للتأكيد. هذا الكتاب مما كتبه فلان بيده وبيمينه، ورأيت فلانا بعيني، وسمعت هذا الحديث بأذني ونحو ذلك.
[839] فإن قيل: كيف لم يؤكد سبحانه وتعالى في التلاوة ولم يقل وما كنت تتلو من قبله من كتاب بلسانك؟
قلنا: الأصل في الكلام عدم الزيادة، وكل ما جاء على الأصل لا يحتاج إلى العلة؛ إنما يحتاج إلى العلة ما جاء على خلاف الأصل.
[840] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69] ومعلوم أن المجاهدة في دين الله تعالى أو في حقّ الله تعالى مع النفس الأمارة بالسوء أو مع الشيطان أو مع أعداء الدين؛ كل ذلك إنما يكون بعد تقدم الهداية من الله تعالى، فكيف جعل الهداية من ثمرات المجاهدة؟
قلنا: معناه والذين جاهدوا في طلب التعلم لنهدينهم سبلنا بمعرفة الأحكام وحقائقها. وقيل: معناه لنهدينهم طريق الجنة. وقيل: معناه والذين جاهدوا لتحصيل درجة لنهدينّهم إلى درجة أخرى أعلى منها. وحاصله: لنزيدنهم هداية وتوفيقا للخيرات كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً) [محمد: 17] وقوله تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً) [مريم: 76] . وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله عليه:
معناه والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعض الحكماء: من عمل بما علم وفق لما لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم هو من تقصيرنا فيما نعلم.