وأراد به الكشف، إلا أنه لم يرد به كشف الضر لئلّا يلزم التكرار، بل أراد به مطلق الكشف الذي هو الإزالة، يعني فلا يستطيعون كشف الضر عنكم ولا كشفا ما، ولهذا لم يقل ولا تحويله. وهذا الجواب مما فتح الله عليّ به من خزائن جوده، ونظيره ما ذكرناه في سورة النحل في قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ) [النحل: 73] .
أولها: أنّ الله تعالى لا يمنعه عما يريده مانع، فإن أراد إرسال الآيات فكيف يمنعه تكذيب الأمم الماضية؟ وإن لم يرد إرسالها كان وجود تكذيبهم وعدمه سواء.
وكان عدم الإرسال لعدم الإرادة.
الثاني: أن الإرسال يتعدى بنفسه، قال الله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ) [نوح: 1] فأيّ حاجة إلى الباء؟
الثالث: أن المراد بالآيات هنا ما اقترحه أهل مكة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من جعل الصفا ذهبا، وإزالة جبال مكة ليتمكنوا من الزراعة، وإنزال مكتوب من السماء ونحو ذلك، وهذه الآيات ما أرسلت إلى الأولين ولا شاهدوها فكيف كذبوا بها؟
الرابع: أن تكذيب الأولين لا يمنع إرسالها إلى الآخرين لجواز أن لا يكذب الآخرون.
الخامس: أيّ مناسبة وارتباط بين صدر الآية وقوله تعالى: (وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً؟
السادس: ما معنى وصف الناقة بالإبصار؟
السابع: أن الظلم يتعدى بنفسه؛ قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) [النساء: 110] ، فأيّ حاجة إلى الياء؛ وهلّا قال فظلموها يعني العقر والقتل؟
الثامن: أن قوله تعالى: (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء: 59] يدل على الإرسال بها، وقوله تعالى: (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ) [الإسراء: 59] يدل على عدم الإرسال بها؟
قلنا: الجواب عن الأوّل: أن المنع مجاز عبر به عن ترك الإرسال بالآيات، كأنه تعالى قال: وما كان سبب ترك الإرسال بالآيات إلا أن كذب بها الأولون.
وعن الثاني: أن الباء لتعدية الإرسال إلى المرسل به لا إلى المرسل، لأن المرسل محذوف وهو الرسول، تقديره: وما منعنا أن نرسل الرسل بالآيات، والإرسال يتعدى إلى