فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 403

خير حتّى يصحّ تفضيل أحدهما على الآخر؛ لأنّ خيرا، في الأصل، أفعل تفضيل؛ فكيف قال: لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) [النساء: 46] بعد ما سبق من قولهم في أول الآية؟

قلنا: المراد بالخير هاهنا الخير الّذي هو ضد الشرّ، لا الّذي هو أفعل التفضيل، كما تقول: في فلان خير.

[160]فإن قيل: كيف قال: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)[النساء: 47]، والمفعول مخلوق، وأمر الله وقوله غير مخلوق؟

قلنا: ليس المراد بهذا الأمر ما هو ضدّ للنهي؛ بل المراد به ما يحدث من الحوادث، فإن الحادثة تسمّى أيضا أمرا؛ ومنه قوله تعالى: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا) [الطلاق: 1] ، وقوله: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا) [يونس: 24] .

[161] فإن قيل: كيف قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: 48] ؛ مع أنّ شرك الساهي والمكره والتّائب مغفور؟

قلنا: المراد به شرك غير هؤلاء المخصوص من عموم الآية بأدلة من خارج؛ أو نقول قيد المشيئة متعلّق بالفعلين المنفي والمثبت، كأنه قال: إن الله لا يغفر الشّرك لمن يشاء، ويغفر ما دونه لمن يشاء.

[162] «1» فإن قيل: هذه الآية تدلّ على أنّ غير الشّرك من الذّنوب لا يقطع بانتفاء مغفرته؛ بل ترجى مغفرته، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا) [النساء، 168، 169] ، يدلّ على القطع بانتفاء المغفرة في الكفر والظلم وهما غير الشرك، فكيف الجمع بينهما؟

قلنا: المراد بالظّلم هنا الشرك، قال مقاتل: والشّرك يسمّى ظلما؛ قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13] ، فكأنه قال: إن الذين أشركوا.

الثاني: أو قوله تعالى: (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) [النساء: 48] ، ليس قطعا بالمغفرة لغير المشرك، وهو تعليق للمغفرة له بالمشيئة؛ ثمّ بيّن بالآية الأخرى أنّ الكافر ليس داخلا فيمن يشاء المغفرة له؛ فيتعين دخوله فيمن لا يغفر له؛ لأنّه لا واسطة بينهما.

الثالث: أنّه عام خصّ بالآية الثانية، كما خصّ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر: 53] بالآية الأولى. ويؤيّد هذا إجماع الأمّة على أنّ الكافر والمشرك

(1) ( [162] ) مقاتل: هو أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي ولاء، البلخي. أحد مشاهير المفسرين. توفي بالبصرة سنة 150 هـ. كان من القائلين بإثبات الصفات للباري، على عكس أوائل المعتزلة، حتى انتهى إلى التشبيه. وكان متروك الحديث. من مؤلفاته: التفسير الكبير، الردّ على القدرية، متشابه القرآن، الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت