الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: 59] ، وقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: 18] ، الآية. والدّليل على أنّ المراد من الآية الإخبار جملة لا تفصيلا، أنّه لمّا علّم عباده أن يسألوه هذا المعنى أرشدهم إلى طلبه مجملا بقوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 6، 7] .
قلنا: المراد أن كيد الشيطان ضعيف في جنب نصرة الله وحفظه لأوليائه المخلصين من عباده، كما قال الله تعالى: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) [الحجر:
42]. وقال: حكاية عن إبليس: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: 40] . والمراد بالآية الأخرى أنّ كيد النسوان عظيم بالنسبة إلى الرجال.
الثاني: القائل إنّ كيدكن عظيم هو عزيز مصر لا الله تعالى، فلا تناقض ولا معارضة.
[169] فإن قيل: كيف عاب على المشركين والمنافقين قولهم: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) [النساء: 78] وردّ عليهم ذلك، بقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [النساء: 78] ؛ ثمّ قال، بعد ذلك: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: 79] ، وأخبره بعين قولهم المردود عليهم؟
قلنا: قيل إنّ الثّاني حكاية قولهم، أيضا؛ وفيه إضمار، تقديره: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء: 78] فيقولون: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) [النساء: 79] ، الآية.
وقيل معناه: ما أصابك أيها الإنسان من حسنة، أي رخاء ونعمة، فمن فضل الله، وما أصابك من سيّئة، أي قحط وشدّة، فبشؤم فعلك ومعصيتك، لا بشؤم محمّد، عليه الصلاة والسلام، كما زعم المشركون. ويؤيّده قوله تعالى: (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: 30] .
[170] فإن قيل: كيف قيل إنّ الشرّ والمعصية بإرادة الله، والله تعالى يقول:
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: 79] .
قلنا: ليس المراد بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية؛ بل القحط والرّخاء، والنصر والهزيمة، على ما اختلف فيه العلماء. ألا ترى أنّه قال: ما أَصابَكَ، ولم يقل ما عملت من سيّئة.