فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 403

أهل النار أخفّ عذابا، فمكانه فيها أعلى؛ وبعضهم أشدّ عذابا، ومكانه فيها أسفل.

ولو سلّم اختصاص الدّرجات بأهل الدرجات، كان قوله: «هم درجات» راجعا إليهم خاصّة، تقديره: أفمن اتّبع رضوان الله، وهم درجات عند الله، كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) [آل عمران: 162] ، وهم دركات! إلّا أنّه حذف البعض لدلالة المذكور عليه.

[124] فإن قيل: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) [آل عمران: 181] كانوا في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالوا ذلك لمّا سمعوا قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [البقرة: 245] فكيف قال: سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ) [آل عمران: 181] أي ونكتب قتلهم الأنبياء، وهم لم يقتلوا نبيّا قط؟

قلنا: لمّا رضوا بقتل أسلافهم الأنبياء، كأنهم باشروا ذلك؛ فأضيف إليهم. وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيرا.

[125] فإن قيل: كيف قال: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [آل عمران: 182] وظلّام صيغة مبالغة من الظلم؛ ولا يلزم من نفي الظلّام نفي الظّالم؛ وعلى العكس يلزم. فهلّا قال: ليس بظالم ليكون أبلغ في نفي الظلم عن ذاته المقدّسة؟

قلنا: صيغة المبالغة جيء بها لكثرة العبيد، لا لكثرة الظّلم؛ كما قال الله تعالى:

وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49] وقال: عالِمُ الْغَيْبِ) [الأنعام: 73] وعَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة: 78] . لمّا أفرد المعمول لم يأت بصيغة المبالغة. ونظيره قولهم:

زيد ظالم لعبده، وعمرو ظلّام لعبيده؛ فهما في الظّلم سيّان. وكذلك قال الله تعالى:

مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) [الفتح: 27] ، فشدّد لكثرة الفاعلين لا لتكرار الفعل. أو الصيغة هنا للنّسب، أي لا ينسب إليه ظلم؛ فالمعنى ليس بذي ظلم.

الثاني: أنّ العذاب من العظيم القدر الكثير العدل، لولا سبق الجناية، يكون أفحش وأقبح من الظلم ممّن ليس عظيم القدر كثير العدل. فيطلق عليه اسم الظلّام باعتبار زيادة قبح الفعل منه، لا باعتبار تكرره.

فحاصله، أنّ صيغة المبالغة تارة تكون باعتبار زيادة ذات الفعل، وتارة باعتبار صفته. ففعل الظلم لو وجد من الله تعالى وتقدس لكان أعظم من ألف ظلم يوجد من عبيده؛ باعتبار زيادة وصف القبح؛ ونظيره قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب: 72] على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.

[126] فإن قيل: في قوله تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) [آل عمران: 184] من حقّ الجزاء أن يتعقّب الشّرط، وهذا سابق له؟

قلنا: جواب الشّرط محذوف، إذ لا يصلح قوله: فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت