فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 403

قلنا: المراد حثه على تبليغ ما أنزل عليه من معايب اليهود ومثالبهم. فالمعنى بلغ الجميع، فإن كتمت منه حرفا كنت في الإثم والمخالفة كمن لم يبلغ شيئا البتة، فجعل كتمان البعض ككتمان الكل.

وقيل: أمر بتعجيل التبليغ كأنه صلّى الله عليه وسلّم كان عازما على تبليغ جميع ما نزل إليه، إلا أنه أخر تبليغ البعض خوفا على نفسه وحذرا؛ مع عزمه على تبليغه في ثاني الحال، فأمر بتعجيل التبليغ، يؤيد هذا القول قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: 67] .

[245]فإن قيل: كيف ضمن الله تعالى لرسوله العصمة بقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)[المائدة: 67]ثم إنه شجّ وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته؟

قلنا: المراد به العصمة من القتل لا من جميع الأذى، فإن جميع العصمة من جميع المكاره لا تناسب أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جامعون مكارم الأخلاق ومن أشرف مكارم الأخلاق تحمّل الأذى.

الثاني: أن هذه الآية نزلت بعد أحد؛ لأن سورة المائدة من آخر ما نزلت من القرآن.

[246] فإن قيل: كيف قال: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) [البقرة: 270] ؛ مع أن بعض الظالمين وهم العصاة من المؤمنين يشفع فيهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم القيامة فيكون ناصرا لهم؟

قلنا: المراد بالظالمين هنا المشركون، يعلم ذلك من أول الآية ووسطها.

[247] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) [المائدة:

77]، بعد قوله: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) [المائدة: 77] ؟

قلنا: المراد بالضلال الأول ضلالهم عن الإنجيل، وبالضلال الثاني ضلالهم عن القرآن.

[248] فإن قيل: قوله تعالى: (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) [المائدة:

79]والنهي عن المنكر بعد فعله ووقوعه لا معنى له؟

قلنا: فيه إضمار حذف مضاف تقديره: كانوا لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما يرى الإنسان أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيّأ فينكر، ويجوز أن يريد بقوله: لا يَتَناهَوْنَ لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصرون عليه ويداومون، يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه بمعنى واحد: أي امتنع عنه وتركه.

[249] فإن قيل: كيف قال: وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ) [المائدة: 81] والمراد بقوله منهم المنافقون أو اليهود على اختلاف القولين وكلهم فاسقون؟

قلنا: المراد به فسقهم بموالاة المشركين ودسّ الأخبار إليهم لا مطلق الفسق، وذلك الفسق الخاص مخصوص بكثير منهم، وهم المذكورون في أوّل الآية في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت