قلنا: قال الزمخشري رحمه الله: إنما أتى بلفظة من لأنه أراد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر ولا في كل مكان من الجبل والشجر. وأنا أقول: إنما ذكره بلفظه «من» لأنه أراد كون البيت بعض الجبل وبعض الشجر كما نشاهد ونرى من بيوت النحل، لأنه يتخذ من طين أو عيدان في الجبل والشجر كما تتخذ الطيور، فلو أتى بلفظة «في» لم تدل على هذا المعنى، ونظيره قوله تعالى:
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا) [الشعراء: 149] .
قلنا: المراد بهذا أنه خلق آدم ثم خلق منه حواء، كما قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) [النساء: 1] .
الثاني أن المراد من خلقكم كما قال تعالى: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) [التوبة: 128] .
[553] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ) [النحل: 73] فعبر بالواو والنون وهما من خواص من يعقل؟
قلنا: كان فيمن يعبدونه من دون الله من يعقل كالعزير وعيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام فغلبهم.
[554] فإن قيل: لم أفرد في قوله تعالى:(ما لا يَمْلِكُ ثم جمع في قوله:
وَلا يَسْتَطِيعُونَ؟) [النحل: 73] .
قلنا: أفرد نظرا إلى لفظ ما، وجمع نظرا إلى معناها، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) [النحل: 12، 13] أفرد الضمير نظرا إلى لفظها، وجمع الظهور نظرا إلى معناها.
[555] فإن قيل: ما فائدة نفي استطاعة الرزق بعد نفي ملكه والمعنى واحد؛ لأن نفي ملك الفعل هو نفي استطاعته، والرزق هنا اسم مصدر بدليل إعماله في «شيئا» ؟
قلنا ليس في يستطيعون ضمير مفعول هو الرزق؛ بل الاستطاعة منفية عنهم مطلقا؛ معناه لا يملكون أن يرزقوا، ولا استطاعة لهم أصلا في رزق أو غيره لأنهم جماد.