قلنا: قد ورد في الكتاب العزيز اللّام بمعنى أنّ كثيرا؛ قال الله تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [الشورى: 15] . وقال الله تعالى: (وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) [الأنعام:
71]، وقال تعالى، في موضع آخر: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا) [الصف: 8] ، فكذلك هذا.
[157] فإن قيل: كيف خصّ التّجارة بالذّكر، في قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) [النساء: 29] ؛ مع أنّ الهبة، والصدقة، والوصيّة، والضّيافة، وغيرها، تقتضي الحلّ أيضا، كالتجارة؟
قلنا: إنّما خصّها بالذّكر، لأنّ معظم تصرّف الخلق في الأموال إنّما هو بالتّجارة؛ أو لأنّ أسباب الرّزق أكثرها متعلق بها.
[158] فإن قيل: قوله تعالى: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) [النساء: 42] ، قالوا: معناه أنّهم يتمنون أن يجعلوا يوم القيامة ترابا، كما جاء في آخر سورة النبأ؛ وظاهر اللفظ يعطي أنّهم يتمنون أن تجعل الأرض مثلهم ناسا، كما تقول: سوّيت زيدا بعمرو، ومعناه جعلت زيدا وهو المسوى مثل عمرو هو المسوى به.
قلنا: قولهم سويت هذا بهذا له معنيان:
أحدهما: إجراء حكم الثاني على الأوّل، كقولك سويت زيدا بعمرو؛ وكما تقول ساويت.
والثاني: أن يكون المسوى مفعولا والمسوى به آلة، كقولك: سويت القلم بسكين، والثوب بالمقراض؛ بمعنى أصلحته به. قلنا: فقوله: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) [النساء: 42] يحتمل وجهين: أن يكون بمعنى ساويت ويكون من المقلوب، أي لو يسوون بالأرض بجعلهم ترابا، كقوله تعالى: (لَتَنُوأُ) [القصص: 76] قوله:
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) [المائدة: 6] ؛ في قول من لم يجعل الباء زائدة، كقولهم:
أدخلت الخاتم في إصبعي ونحوه، وأن يكون بمعنى الآلة. معناه: ودّوا لو تمهّد بهم الأرض وتوطّد، بأن يجعلوا ترابا، ويبثوا في وهادها وحضيضها، لتساوي بقاعها وآكامها، وقوله تعالى: (لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا) [طه: 107] ، انخفاضا ولا ارتفاعا، وإن كان يدلّ على أنّ الأرض يوم القيامة متساوية السطوح، فجعلها متساوية السطوح إن كان قبل البعث، فإذا بعث الموتى من قبورهم خلت منهم قبورهم وحفرهم فحصل في الأرض تفاوت، وإن كان بعد البعث فيجوز أن يكون هذا التّمني سابقا على جعلها متساوية السطوح.
[159] فإن قيل: قولنا هذا خير من ذلك يقتضي أن يكون في كلّ واحد منهما