قلنا: ما جاء هذا إلا في خطاب الكافرين كقوله تعالى في سورة نوح عليه السلام: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح: 4] وقوله تعالى، في سورة الأحقاف: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [الأحقاف: 31] وقال تعالى في خطاب المؤمنين في سورة الصف: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ) [الصف: 10] إلى قوله: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الصف: 12] وقال تعالى، في آخر سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الأحزاب: 70، 71] ، وكذا باقي الآيات في خطاب الفريقين إذا تتبعتها، وما ذلك إلا للتفرقة بين الخطابين لئلا يسوى بين الفريقين في الوعد مع اختلاف رتبتهما، لا لأنه يغفر للكفار مع بقائهم على الكفر بعض ذنوبهم، والذي يؤيد ما ذكرناه من العلة أنه في سورة نوح عليه السلام وفي سورة الأحقاف وعدهم مغفرة بعض الذنوب بشرط الإيمان مطلقا. وقيل: معنى التبعيض أنه يغفر لهم ما بينهم وبينه لا ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها.
وقيل: «من» زائدة.
[508] فإن قيل: كيف كرر تعالى الأمر بالتوكل وكيف قال أوّلا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [إبراهيم: 11] وقال ثانيا: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [إبراهيم: 12] ؟
قلنا: الأمر الأول لاستحداث التوكل، والثاني لتثبيت المتوكلين على ما استحدثوا من توكلهم فلهذا كرره، وقال أولا المؤمنون وثانيا المتوكلون.
[509] فإن قيل: كيف قالوا لرسلهم أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) [إبراهيم: 13] والرسل لم يكونوا على ملة الكفار قط، والعود هو الرجوع إلى ما كان فيه الإنسان؟
قلنا: العود في كلام العرب يستعمل كثيرا بمعنى الصيرورة، يقولون: عاد فلان يكلمني، وعاد لفلان مال وأشباه ذلك، ومنه قوله تعالى: (حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) [يس: 39] .
الثاني: أنهم خاطبوا الرسل بذلك بناء على زعمهم الفاسد واعتقادهم أن الرسل كانوا أولا على ملل قومهم ثم انتقلوا عنها.
الثالث: أنهم خاطبوا كل رسول ومن آمن به فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد، ونظير هذا السؤال ما سبق في سورة الأعراف من قوله تعالى: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) [إبراهيم: 13] وفي سورة يوسف عليه السلام من قوله تعالى: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) [يوسف: 37] الآية.