فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 403

لم خص الأرض بالنفي؛ مع أن المنافقين ليس لهم ولي ولا نصير من عذاب الله في الأرض ولا في السماء، في الدنيا ولا في الآخرة؟

قلنا: لما كان المنافقون لا يعتقدون الوحدانية ولا يصدقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجود الولي والنصير مقصورا على الدنيا، فعبّر عن الدنيا، بالأرض، وخصها بالذكر لذلك.

الثاني: أنه أراد بالأرض أرض الدنيا والآخرة فكأنه قال: وما لهم في الدنيا والآخرة من ولي ولا نصير.

[403] فإن قيل: لم خص السبعين بالذكر في قوله: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [التوبة: 80] مع أن الله تعالى لا يغفر للمنافقين ولو استغفر لهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم ألف مرة بدليل قوله تعالى: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [المنافقون: 6] ولأنهم مشركون، والله تعالى لا يغفر أن يشرك به؟

قلنا: جرت عادة العرب بضرب المثل في الآحاد بالسبعة، وفي العشرات بالسبعين، وفي المئات بسبعمائة استعظاما لها واستكثارا، لا أنهم يريدون بذكرها الحصر، فكأنه قال: إن تستغفر لهم أعظم الأعداد وأكثرها فلن يغفر الله لهم، ويعضده ما ذكره بعد ذلك من بيان الصارف عن المغفرة في قوله تعالى: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: 80] .

[404] فإن قيل: لو كان ما ذكرتم لما خفي ذلك على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو أفصح العرب وأعلمهم بأساليب الكلام وتمثيلاته؛ حتّى قال، لما نزلت هذه الآية: إن الله

تعالى قد رخص لي فسأزيد على السبعين. وفي رواية أخرى: فسأستغفر لهم أكثر من السبعين لعل الله أن يغفر لهم؟

قلنا: لم يخف عليه ذلك وإنما أراد بما قال إظهار غلبة رحمته ورأفته بمن بعث إليهم، كما وصفه الله تعالى بقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)[التوبة:

128]الآية وفي إظهار النبي صلّى الله عليه وسلّم الرأفة والرحمة لطف لأمته، وحث لهم على التراحم، وشفقة بعضهم على بعض، وهذا دأب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ألا ترى إلى قول إبراهيم صلوات الله عليه وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: 36] .

[405] فإن قيل: كيف قال تعالى: (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 91] والمغفرة والرحمة إنما تكون للمسيئين لا للمحسنين؟

قلنا: معناه والله غفور رحيم للمسيئين إذا تابوا، فهو متعلق بمحذوف لا بالمحسنين؛ لأنهم قد سدوا بإحسانهم طريق العقاب والذم؛ فليس عليهم سبيل فيهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت