قلنا: لما كان الموقنون أكثر انتفاعا به من غيرهم، بل هم المنتفعون به في الحقيقة لا غير كانوا أخص به، فأضيف إليهم لذلك، ونظيره: قوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) [النازعات: 45] .
قلنا: المراد بقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ) [المائدة: 51] المنافقون، لأنها نزلت في شأنهم وهم كانوا من الكفار في الدنيا ضميرا واعتقادا، ومعناه أنه منهم في الآخرة جزاء وعقابه أشد.
[238] فإن قيل: كيف قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: 51] ، وكم من ظالم هداه الله تعالى فتاب وأقلع عن ظلمه؟
قلنا: معناه لا يهديهم ما داموا مقيمين على ظلمهم.
الثاني: أن معناه: لا يهدي من قضى في سابق علمه أنه يموت ضالا.
الثالث: أن معناه: لا يهدي القوم الظالمين يوم القيامة إلى طريق الجنة، أي المشركين.
[239] فإن قيل: كيف قال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [المائدة: 54] ولم يقل أذلة للمؤمنين، وإنما يقال ذل له لا ذل عليه؟
قلنا: لأنه ضمن الذل معنى الحنوّ والعطف فعدّاه تعدّيته، كأنه قال: حانين على المؤمنين عاطفين عليهم.
[240] فإن قيل: كيف قال: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ) [المائدة: 56] وكم مرة غلب حزب الله تعالى في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبعده إلى يومنا هذا؟
قلنا: المراد به الغلبة بالحجة والبرهان لا بالدولة والصولة، وحزب الله هم المؤمنون غالبون بالحجة أبدا.
[241] فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف قال: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) [المائدة: 60] الآية؟
قلنا: لا نسلم أن الثواب والمثوبة مختص بالإحسان؛ بل هو الجزاء مطلقا بدليل قوله تعالى: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) [المطففين: 36] ، أي هل جوزوا، وقوله تعالى: (فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) [آل عمران: 153] وهو كلفظ البشارة لا اختصاص له