فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 403

قلنا: معناه إن ينتهوا عن عداوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومحاربته يغفر لهم ما قد سلف من ذلك، وإن يعودوا إلى قتاله وعداوته فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر، أو فقد مضت سنة الذين تحزّبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية.

وقيل معناه: إن ينتهوا عن الكفر بالإيمان يغفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي، كما قال النبي، عليه الصلاة والسلام: «الإسلام يجبّ ما كان قبله» . وإن يعودوا إلى الكفر بالارتداد بعد ما أسلموا فقد مضت سنة الأولين من الأمم من أخذهم بعذاب الاستئصال.

[366] فإن قيل: الفائدة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة، وهي زوال الرعب من قلوب المؤمنين وتثبيت أقدامهم وزيادة اجترائهم على القتال، فما فائدة تقليل المؤمنين في أعين الكفار حتى قال الله تعالى: (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [الأنفال: 44] مع أن في ذلك زوال الرعب من قلوب الكافرين وتثبيت أقدامهم واجترائهم على القتال؟

قلنا: فائدته أن لا يستعد الكفار كل الاستعداد، فيجترئوا على المؤمنين معتمدين على قلتهم، ثم تفجئهم الكثرة فيدهشوا ويتحيروا، وأن يكون ذلك سببا يتنبه به المشركون على نصرة الحق إذا رأوا المؤمنين مع قلتهم في أعينهم منصورين عليهم.

وفي التقليل من الطرفين معارضة تعرف بالتأمل.

[367] فإن قيل: قوله تعالى: (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46] يدل على حرمة المنازعة والجدال أيضا؛ لأنه منازعة، فكيف تجوز المناظرة وهي منازعة

وجدال؟

قلنا: المراد بالمنازعة هنا، المنازعة في أمر الحرب والاختلاف فيه، لا المنازعة في إظهار الحق بالحجّة والبرهان. والدليل عليه أن ذلك مأمور به.

قال الله تعالى: (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] ؛ ولكن للجواز شروط يندر وجودها في زمننا هذا، أحدها أن يكون كل المقصود منها ظهور الحق على لسان أيّ الخصمين، كما كانت مناظرة السلف؛ وعلامة ذلك أن لا يفرح بظهور الحق على لسانه أكثر مما يفرح بظهوره على لسان خصمه.

[368] فإن قيل: كيف قال إبليس إِنِّي أَخافُ اللَّهَ) [الأنفال: 48] وهو لا يخاف الله، لأنه لو خافه لما خالفه ثم أضل عبيده؟

قلنا: قال قتادة: صدق عدوّ الله في قوله: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) [الأنفال: 48] يعني جبريل والملائكة عليهم السلام معه نازلين من السماء لنصرة المسلمين يوم بدر، وكذب في قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ) [الأنفال: 48] . والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت