فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 403

قلنا: معناه أن تنزل فيهم، فعلى هنا بمعنى في كما في قوله تعالى: (عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) [البقرة: 102] وقولهم كان ذلك على عهد فلان.

الثاني: أن الإنزال هنا بمعنى القراءة؛ فمعناه أن تقرأ عليهم.

[397]فإن قيل: الحذر في هذه الآية واقع منهم على إنزال السورة، فكيف قال تعالى:(قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ)[التوبة: 64]؟

قلنا: قوله تعالى: (مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أي مظهر ما تحذرون ظهوره من نفاقكم بإنزال السورة، وهو مناسب لقوله تعالى:(تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ) [التوبة: 64] .

الثاني: أن معناه مظهر ومبرز ما تحذرون من إنزال السورة.

[398] فإن قيل: كيف قال تعالى: (تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ وإنباؤهم بما في قلوبهم تحصيل الحاصل؛ لأنّهم عالمون به فما فائدته؟

قلنا: معناه تنبئهم بأن أسرارهم وما كتموه من النفاق شائعة ذائعة؛ وتفضحهم بظهور ما اعتقدوا أنه لا يعرفه غيرهم ولا يطلع عليه سواهم، وهذا ليس تحصيل الحاصل.

[399] «1» فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: 67] وقال بعده وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) [التوبة: 71] وكلمة «من» أدل على المشابهة والمجانسة من حيث أنها تقتضي الجزئية والبعضية، فكانت بالمؤمنين أولى وأحرى؛ لأنهم أشد تشابها وتجانسا في الصفات والأخلاق؟

قلنا: المراد بقوله تعالى: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على دين بعض، أي على عادتهم وخلقهم بإضمار لفظة الدين أو الخلق ونحوه؛ لأن «من» تأتي بمعنى على، ومنه قوله تعالى:(وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) [الأنبياء: 77] وقوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ) [البقرة: 226] ، أي يحلفون على وطء نسائهم، وهذا هو المعنى المراد في قوله عليه الصلاة والسلام: «فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» وقوله عليه الصلاة والسلام: «من غشّنا فليس منّا» ، والمراد بقوله تعالى: (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، أي أنصارهم وأعوانهم في الدين، وكل واحدة من العبارتين صالحة للفريقين، إلا أنه خص المنافقين بتلك العبارة تكذيبا لهم في حلفهم السابق في قوله تعالى:(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: 56] وتقريرا لقوله تعالى: (وَما هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: 56] ؟

[400] فإن قيل: أيّ فائدة في قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) [التوبة: 69] مع أن قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ

(1) ( [399] ) - قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» أخرجه أحمد في مسنده: 2/ 158.

-قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من غشّنا فليس منّا» أخرجه أحمد في مسنده: 2/ 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت