قلنا: كان أهل الجاهلية فريقين: منهم من جعل المتعجّل آثما، ومنهم من جعل المتأخّر آثما؛ فأخبر الله تعالى بنفي الإثم عنهما جميعا؛ أو معناه لا إثم على المتأخّر، في تركه الأخذ بالرخصة؛ مع أنّ الله تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه، كما يحبّ أن تؤتى عزائمه؛ أو أنّ معناه أنّ انتفاء الإثم عنهما موقوف على التّقوى، لا على مجرّد الرّخصة أو العزيمة في الرّمي.
ثم، قيل: المراد به تقوى المعاصي في الحجّ. وقيل: تقوى المعاصي بعد الحجّ، في بقيّة العمر، بالوفاء بما عاهد الله تعالى عليه، بعرفة وغيرها من مواقف الحجّ، من التّوبة والإنابة.
والمشكل، في هذه الآية، قوله تعالى: (فِي يَوْمَيْنِ) [البقرة: 203] ، والتّعجيل المرخّص فيه إنّما هو التّعجيل في اليوم الثّاني، من أيّام التّشريق؛ فكيف ذكر لفظ اليومين، وأراد بهما اليوم الثّاني، فقط؟
[52] «1» فإن قيل: كيف قال: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) [البقرة: 210] وهو يدلّ على أنّها كانت إلى غيره، كقولهم: رجع إلى فلان عبده ومنصبه؟
(1) ( [52] ) البيت في ديوان لبيد. والشاهد فيه قوله: يحور، وهو مأخوذ من الحور وهو الرجوع والنقصان.
والمعنى: يعود أو يرجع أو يؤول إلى حال الرماد.
-ساطع: مرتفع.
-الشهاب: شعلة من نار.
أما ما يتعلق بالسؤال وجوابه، فقد سبق أن طرح الشريف الرضي في كتابه حقائق التأويل هذه المسألة وبسط الجواب فيها من وجوه. وما جاء به الرازي هنا، مجرد تلخيص لبعضها، غير أن ما يستوقفنا عند الرضي شرحه لمعنى الرجوع، ننقله لفائدته. يقول:
«والصحيح في ذلك أن أصل الرّجع والرجوع- في اللغة- إنّما هو انعطاف الشيء إليك، وانقلابه نحوك، لا أنه كان عندك ففارقك، ثم رجع إليك، وإنما استعمل في المعنى الأخير مجازا، وحقيقته ما ذكرناه. وفي كلامهم الرّجعة المرّة الواحدة؛ ومن ذلك قولهم: رجعت إليه القول، أي خاطبته وصرفت قولي إليه. ويقولون: هل جاءتك رجعة كتابك؟ ورجعانه، أي جوابه. وقال الشاعر:
كأنّ من عسل رجعان منطقها ... إن كان رجع كلام يشبه العسلا
قال تعالى: (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) [طه: 89] . وكل ذلك يدل على المعنى الذي قلناه» (ص 331) .
والبيت الذي أورده الرضي منسوب للحكيم بن ريحان من بني عمر بن كلاب، كما أفاد محقق الكتاب.