فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 403

الناس والحجارة معروفة، فنكّرها. ثم، نزلت هذه الآية بالمدينة، فعرّفت؛ إشارة بها إلى ما عرفوه أوّلا.

[13] فإن قيل: قوله تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: 42] ، ليسا فعلين متغايرين، فينهوا عن الجمع بينهما؛ بل أحدهما داخل في الآخر؟

قلنا: هما فعلان متغايران، لأنّ المراد بتلبيسهم الحقّ بالباطل كتابتهم في التّوراة ما ليس منها، وبكتمانهم الحقّ قولهم: لا نجد في التّوراة صفة محمّد صلى الله عليه وسلم.

[14] فإن قيل: قوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) [البقرة: 46] ، ما فائدة الثاني والأوّل يدلّ عليه ويقتضيه؟

قلنا: قوله: مُلاقُوا رَبِّهِمْ، أي: ملاقوا ثواب ربّهم، وما وعدهم على الصبر والصلاة؛ وقوله: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ، أي موقنون بالبعث؛ فصار المعنى: أنهم موقنون بالبعث وبحصول الثّواب الموعود؛ فلا تكرار فيه.

[15] «1» فإن قيل: كيف قال: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ)[البقرة:

59]؛ وهم لم يبدّلوا غير الذي قيل لهم؛ لأنّهم قيل لهم؛ قولوا حطّة، فقالوا حنطة؟

قلنا: معناه فبدّل الّذين ظلموا قولا، قيل لهم. وقالوا قولا، غير الّذي قيل لهم.

[16] «2» فإن قيل: قوله: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: 60] العثو:

الفساد؛ فيصير المعنى: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين؟

قلنا: معناه ولا تعثوا في الأرض بالكفر، وأنتم مفسدون بسائر المعاصي.

[17] «3» فإن قيل: كيف قال: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ) [البقرة: 61] وطعامهم كان المنّ والسلوى وهما طعامان؟

(1) ( [15] ) حطّة: قال الرّاغب في مفرداته: هي كلمة أمر بها بنو إسرائيل، ومعناه: حطّ عنّا ذنوبنا. وقيل:

معناه: قولوا صوابا.

(2) ( [16] ) العثو: ويقال العيث والعثي أيضا، من عثا عثوّا، وعثي عثوا، إذا أفسد أشدّ الإفساد. وهو قول ابن سيده. وميّز الرّاغب في مفرداته بين العيث والعثي بأنّ الأوّل (العيث) أكثر ما يقال للفساد الذي يدرك حسّا، والعثي فيما يدرك حكما، أي أنّ الأوّل يقال للفساد الحسّي، والثّاني يقال للفساد المعنوي. غير أنّه لم يذكر مستنده في ذلك.

(3) ( [17] ) المنّ: قال في القاموس هو كلّ طلّ ينزل من السماء على شجر أو حجر، ويحلو وينعقد عسلا، ويجفّ جفاف الصمغ.

وذكر الرّاغب في مفرداته نحو هذا المعنى باختصار. ثم، حكى القول بأن المن والسلوى شيء واحد، وكلاهما إشارة إلى ما أنعم الله به على بني إسرائيل، لكن سمّاه منّا بحيث أنّه امتنّ به عليهم، وسمّاه سلوى من حيث إنّه كان لهم به التّسلي.

أقول: وبهذا المعنى يبطل السؤال من رأس. ويلغو الجواب الذي حاوله الرّازي هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت