قلنا: كان حزنها لمجموع الأمرين، وهو ما ذكرتم، وجدب مكانها الذي ولدت فيه، فإنه لم يكن فيه طعام ولا شراب ولا ماء تتطهر به، وكان إجراء النهر في المكان اليابس الذي لم يعهد فيه ماء، وإخراج الرطب من الشجرة اليابسة دافع لجهتي الحزن، أما دفع الجدب فظاهر، وأما دفع حزن التهمة فمن حيث أنهما معجزتان تدلان قومها على عصمتها وبراءتها من السوء وأن الله تعالى قد خصها بأمور إلهية خارجة عن العادة خارقة لها، فتبين لهم أن ولادتها من غير فحل ليس ببدع من شأنها ولا بعيد في قدرة الله تعالى، المخرج في لحظة واحدة الرطب الجنيّ من النخلة اليابسة، والمجري للماء بغتة في مكان لم يعهد فيه.
[653] فإن قيل: كيف أمرها جبريل عليه السلام إذا رأت إنسانا أن تكلمه بعد النذر بالسكوت بقوله: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا) [مريم: 26] الآية، وذلك خلف في النذر؟
قلنا: إنما أمرها بذلك لأنه تمام نذرها، فإنها لم تكن مأمورة بنذر مطلق السكوت حتى يندرج فيه الكف عن الذكر والتسبيح والدعاء ونحوها، بل بنذر السكوت عن تكليم الإنس، وإذا كان تمام نذرها بقولها: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) [مريم: 26] لا تكون مكلمة لإنسي بعد تمام النذر.
[654] فإن قيل: كيف قال تعالى: (مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) [مريم: 29] وكل أحد كان، في المهد صبيا؟
قلنا: كان هنا زائدة، وصبيا منصوب على الحال لا على أنه خبر كان تقديره:
كيف نكلم من في المهد في حال صباه. وقيل: كان بمعنى وقع ووجد، وصبيا منصوب على الوجه الذي مرّ.
[655] فإن قيل: خطاب التكليف في جميع الشرائع إنّما يكون بعد البلوغ أو بعد التمييز والقدرة على فعل المأمور به، وعيسى عليه السلام كان رضيعا في المهد فكيف خوطب بالصلاة والزكاة حتى قال: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) [مريم: 31] ؟
قلنا: تأخير الخطاب إلى غاية البلوغ وغيرها إنما كان ليحصل العقل والتمييز، وعيسى عليه السلام كان واجد العقل والتمييز التام في تلك الحالة فتوجّه نحوه الخطاب أن يفعلهما إذا قدر على ذلك، ولهذا قيل: إنه أعطي النّبوّة في صباه أيضا.